بقلم نزيه عبدو حمد رئيس مجموعة نزيه اللبنانية الخليجية
لماذا ينجح من لا يحمل شهادة… ويتعثّر من يملك شهادات كثيرة؟
في عالم الأعمال، تتكرّر أمامنا مفارقة لافتة تستحق التوقّف عندها طويلًا:
أشخاص لم ينالوا شهادات جامعية، ومع ذلك نجحوا في تأسيس أعمال مزدهرة وبناء مسارات مهنيةعالمية قوية، في مقابل آخرين يحملون شهادات متعددة، وربما عليا، لكنهم يعجزون عن تحقيق اختراق حقيقي في السوق.
هذه المفارقة لا تنتقص من قيمة العلم، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله:
هل الشهادة وحدها كافية للنجاح؟
لا شكّ أن التعليم الأكاديمي ركيزة أساسية لبناء الفكر وتنظيم العقل وفهم القواعد العلمية. لكن السوق لا يكافئ المعرفة المجرّدة، بل يكافئ القيمة المضافة: أي القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل، والفكرة إلى نتيجة.
الفرق الحقيقي ليس بين متعلّم وغير متعلّم، بل بين:
• من يتحرّك ومن ينتظر،
• من يجرّب ومن يتردّد،
• من يتعلّم من الواقع ومن يكتفي بالنظريات.
درس من الميدان. هناك شاب بسيط، محدود التعليم، بدأ موظفًا عاديًا في شركة. حصل على ترقية صغيرة لم تكن استثنائية في حجمها، لكنها كانت كافية لتكشف جوهر شخصيته.
تعامل مع الفرصة بعقلية صاحب عمل، لا بعقلية موظف ينتظر التعليمات.
عمل بإخلاص، تعلّم يوميًا، بادر، وسعى إلى إضافة قيمة حقيقية في كل موقع شغله. لم ينتظر من يدفعه إلى العمل، بل كان محرّكًا ذاتيًا.
ومع الوقت، أصبح عنصرًا أساسيًا في المؤسسة، وحقق نتائج ملموسة وأرقامًا غير مسبوقة.
لاحظ صاحب الشركة فيه ميزة نادره في سوق العمل: الأمانة والقدرة على الحركة المستمرة والعمل دائما على تطوير خبرته .
وعندما قرر الاستقلال وبدء مشروعه الخاص، لم يُقابل بالتحفّظ، بل بالدعم والشراكة؛ لأن القادة الحقيقيين لا يخشون نجاح الآخرين، بل يرونه امتدادًا لنجاحهم.
لماذا يتعثّر بعض حملة الشهادات ان المشكلة ليست في الشهادة، بل في طريقة التعامل معها.
كثيرون يحوّلون الشهادة إلى:
• عذرٍ للانتظار،
• وذريعة لرفض الفرص الصغيرة،
• وحاجزٍ نفسي أمام المخاطرة والتجربة.
فينتظرون الوظيفة المثالية أو المنصب الذي “يليق” بمؤهلاتهم، بينما السوق يتقدّم بسرعة… ولا ينتظر أحدًا.
العلم بلا عمل وخبرة يشبه خريطة دقيقة بلا طريق واضح .
ان العمل والخبرة… مدرسة لا تُدرَّس في الجامعات
والخبرة الحقيقية لا تُكتسب في القاعات الدراسية وحدها، بل في الميدان.
من يتحرّك يتعلّم،
ومن يخطئ يكتشف،
ومن يفشل ثم ينهض، يبني خبرة لا تمنحها أي شهادة.
السوق يعلّم الانضباط، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، والقدرة على التكيّف؛ وهي مهارات لا تقل أهمية عن أي مؤهل أكاديمي.
في عالم الأعمال ان القيم أساس الاستدامة ، قد يحقق البعض نجاحًا سريعًا بالذكاء أو الجرأة، لكن النجاح الذي يدوم يحتاج إلى أساس متين من القيم.
الأمانة، والصدق، والالتزام ليست شعارات، بل شروط لبناء الثقة،
والثقة هي العملة الأقوى في أي سوق.
الذكاء بلا أخلاق قد يربح مرة، لكنه يخسر على المدى الطويل.
توصيات للباحثين عن النجاح الحقيقي
• اجعلوا الشهادة أداة لا غاية، واستثمروا العلم في التطبيق لا في الانتظار.
• ابدؤوا من حيث أنتم، ولا تحتقروا الفرص الصغيرة فالكبير يولد منها
• تحرّكوا قبل أن تكتمل الظروف فالحركة تصنع الجاهزية لا العكس
• تعلّموا من الفشل ولا تخافوا منه فهو جزء طبيعي من أي مسار ناجح
• اجمعوا بين العلم والخبرة فالعلم يوجّه، والخبرة تثبّت الخطوات.
• قدّموا القيم على الأرباح فالسمعة الجيدة رأس مال لا يُعوّض.
• استعينوا بأهل الكفاءة والإدارة فالعمل المؤسسي هو الطريق الأضمن للاستدامة.
في النهاية، النجاح لا يُمنَح لمن ينتظر اعترافًا، بل لمن يصنع أثرًا.
ولا يُقاس بعدد الشهادات المعلّقة على الجدران، بل بعدد القرارات الشجاعة التي اتُّخذت في اللحظات الصعبة.
السوق لا يسأل: من أنت؟
ولا ماذا درست؟
بل يسأل سؤالًا واحدًا لا يقبل المواربة: ماذا تستطيع أن تفعل الان وما هي الإضافة التي تتميز بها ؟
من يتحرّك يتقدّم
ومن يضيف قيمة ويتطور لا يُستبدل
ومن يجمع بين العلم والعمل، وبين الطموح والأخلاق، يصنع نجاحًا لا يزول.
لا تنتظر اللحظة المثالية… اصنعها.
ولا تنتظر الفرصة الكبيرة… كبّر الفرصة التي بين يديك.
فالطريق لا يُفتح للمتفرّجين،
بل لأولئك الذين يملكون الجرأة على الخطوة الأولى… ثم الاستمرار.







