غياب خطة وطنية للكوارث… حين يصبح العجز وقلة الحياء سياسة

لا يموت اللبنانيون فقط تحت الأنقاض أو على الطرق أو برصاص الجريمة المتفلّتة؛ يموتون أيضًا أمام الكاميرات. يموتون فيما المسؤولون يقفون قرب الجثث، يلقون التصريحات، ويتبادلون الإتهامات، من دون وجود رافعة واحدة للإنقاذ، أو خطة واضحة، أو إحساسٍ بأنّ الوقت يعني حياة. في لبنان لا تُدار الكوارث، بل تُستثمر سياسيًا، فيما يُترك المواطن وحيدًا بين الخطر والفراغ
في لبنان، لم يعد غياب الخطة الوطنية لإدارة الكوارث تفصيلًا إداريًا، بل تحوّل إلى أحد أخطر وجوه الانهيار الشامل. فلا احتواء فعلي لحوادث السير، ولا قدرة واضحة على ضبط تفلّت الجريمة، فيما تُترك البلاد مكشوفة بالكامل أمام أي كارثة محتملة، وكأنّ الفشل بات قاعدة تُدار بها الدولة.
حوادث السير تحصد الأرواح يوميًا من دون رادع، والجريمة تتصاعد في مختلف المناطق وفق معطيات متداولة تشير إلى ارتفاعٍ ملحوظ، وربما تضاعفٍ في بعض أنواعها، فيما يكتفي المعنيون بالتصريحات من دون سياسات ردع أو خطط وقائية ملموسة. السؤال البديهي يبقى معلّقًا: ماذا يفعل المسؤولون فعليًا، خارج إطلاق الوعود؟
هذا العجز نفسه يظهر بأبشع صوره عند وقوع الكوارث. فبدل الجهوزية، نشهد فوضى في الصلاحيات، وتأخيرًا في القرار، وغيابًا لآليات الإنقاذ السريع. والأسوأ، مشهد بات مألوفًا الى حدّ الفجاجة: زيارات المسؤولين المعنيين إلى مواقع الكوارث، والإدلاء بتصريحات أمام جثث الضحايا، من دون أن تكون في الميدان المعدات اللازمة لرفع الأنقاض أو فرق الإنقاذ القادرة على العمل الفوري. مشهد يطرح سؤال عن الحياء قبل السؤال عن الكفاءة.
لبنان بلد معرّض للزلازل، والانهيارات، والفيضانات، والحرائق، ومع ذلك لا يملك خطة وطنية مُعلنة لإدارة الكوارث، ولا غرفة عمليات مركزية موحّدة، ولا تدريبات دورية تشارك فيها المؤسسات المعنية والبلديات. كل كارثة تُدار كحدث طارئ منفصل، لا كحلقة في سلسلة تستوجب المحاسبة والتصحيح.
الأخطر من الغياب التقني هو تطبيع الفشل الأخلاقي. فبدل أن تكون الكارثة لحظة مراجعة ومساءلة، تتحوّل إلى منصة إعلامية، فيما يُترك المواطن لمصيره، يعتمد على المبادرات الفردية أو التضامن الأهلي لتعويض غياب الدولة.
إنّ تصاعد الجريمة، والفوضى على الطرق، وغياب خطة وطنية للكوارث، ليست أزمات منفصلة، بل وجوه مختلفة لانهيار واحد: غياب الدولة القادرة والمسؤولة. فالدولة التي تعجز عن الوقاية والردع، وتكتفي بالحضور الإعلامي بعد وقوع المأساة، تضع مواطنيها في مواجهة الخطر بلا حماية.
الكارثة المقبلة ليست احتمالًا بعيدًا، بل امتحان جديد لعجزٍ مزمن… والسؤال ليس إن كانت ستقع، بل كم من الأرواح ستُزهق قبل أن يتحمّل أحد مسؤوليته.
إكرام صعب
[email protected]

لمشاركة الرابط: