رفيق الحريري كان رجل الدولة الأخير… وما بعده انهيار

إكرام صعب
لم يكن سقوط الأبنية المتصدّعة في طرابلس مجرد حادث إنشائي، ولا خبرًا عابرًا في نشرة محلية.
كان مشهدًا رمزيًا لانهيار أعمق: انهيار الدولة نفسها، وانهيار مفهوم الإعمار كخيار وطني، وغياب رجل الدولة القادر على تحويل الركام إلى مشروع حياة.
في التبانة والقبة، حيث شهدت الأرض حروبًا ضروسًا، لم يُعاد ترميم ما تهدّم، ولم تُبنَ رؤية لإحياء الأحياء التي دفعت ثمن الصراع.
بقيت الأبنية المتهالكة شاهدة على حرب انتهت سياسيًا، لكنها لم تنتهِ عمرانيًا ولا اجتماعيًا.
واليوم، بدأت هذه الأبنية تنهار… ومعها تنهار فكرة أن لبنان ما زال دولة قادرة على حماية أبنائها.
عاش لبنان حروبًا كثيرة مزّقت مدنه وأحياءه.
لكن مرحلة رفيق الحريري شكّلت استثناءً نادرًا في تاريخ هذا البلد، حين تحوّل الإعمار من ردّ فعل إلى مشروع دولة.
لم ينظر الحريري إلى الخراب بوصفه قدرًا، بل بوصفه فرصة لإعادة بناء لبنان على أسس جديدة.
كان يدرك أن إعادة بناء الحجر هي شرط لإعادة بناء الثقة، وأن الإقتصاد لا يقوم على الشعارات بل على البنية التحتية والاستثمار والاستقرار.
في عهده، لم تُترك المدن لمصيرها.
بيروت، التي كانت رمز الحرب، تحوّلت إلى ورشة حياة.
الطرق ، المرافئ، المطار، الاتصالات، كلها دخلت مرحلة تحديث أعادت لبنان إلى الخريطة الاقتصادية الإقليمية.
كان الإعمار عنده سياسة عامة، لا موسماً انتخابياً.
طرابلس… مدينة الحرب بلا إعمار  هي  ليست استثناءً في لبنان، لكنها نموذج صارخ لفشل الدولة بعد رفيق الحريري.
مدينة دفعت أثمانًا هائلة من العنف والإهمال، لكنها لم تحظَ بمشروع إعادة إعمار حقيقي.
أحياء مثل التبانة والقبة بقيت معلّقة بين الحرب والسلام، بين الدولة والفراغ، بين الفقر واليأس.
الأبنية المتصدعة لم تُفحص، لم تُرمّم، لم تُستبدل.
والنتيجة: حين تعب الحجر من الانتظار، سقط.
وهنا يصبح السؤال أكبر من بلدية أو وزارة:
أين الدولة؟ وأين رجل الدولة؟
غياب رجل الدولة لا يعني غياب المناصب، بل غياب الرؤية والقرار والشجاعة السياسية.
رجل الدولة هو من يرى في انهيار مبنى إنذارًا وطنيًا، لا خبرًا عابرًا.
هو من يحوّل المدينة المهملة إلى مشروع إنقاذ، لا إلى ورقة انتخابية.
رفيق الحريري كان من هذا الطراز.
رأى في الإعمار مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا مجرد مقاولات.
وكان يدرك أن ترك المدن للفقر والإهمال هو وصفة أكيدة لانفجار اجتماعي.
ما يحدث في طرابلس اليوم ليس حادثًا هندسيًا.
هو نتيجة تراكم سنوات من غياب القرار، ومن تحويل الدولة إلى إدارة تصريف أعمال دائم.
لا خطة إسكان، لا سياسة عمرانية، لا مراقبة إنشائية، لا استثمار في الأحياء المهمّشة.
في غياب رجل الدولة، يتحوّل الفقراء إلى قاطنين في مبانٍ مهدّدة،
وتتحوّل المدينة إلى خطر دائم على أهلها.
قد يختلف اللبنانيون على سياسات رفيق الحريري الاقتصادية،
وقد تُناقش خياراته العمرانية والنقدية،
لكن المقارنة بين مرحلة كان فيها الإعمار مشروع دولة، ومرحلة أصبح فيها الانهيار مشهدًا يوميًا، هي مقارنة قاسية لكنها ضرورية.
رفيق الحريري كان مشروع رجل دولة.
أما اليوم، فالمشهد مليء بالساسة… وقليل برجال الدولة.
الخلاصة الحجر يتذكّر من بناه
طرابلس التي تنهار أبنيتها اليوم، ليست مدينة فقيرة فقط، بل مدينة متروكة.
وترك المدن لمصيرها هو أخطر أشكال الفساد السياسي.
حين كان لبنان يملك رجل دولة، كان الركام يتحوّل إلى ورشة، والحرب إلى فرصة للنهوض.
وحين غاب رجل الدولة، تحوّلت الأبنية إلى قبور محتملة، وتحولت الدولة إلى متفرّج.
الحجر يتذكّر من بناه، كما يتذكّر من تركه ينهار

لمشاركة الرابط: