الدبكة ليست ميليشيا.. عن تشويه التراث اللبناني على شاشة ” أم تي في”MTV

في مشهد يثير القلق أكثر مما يثير الإعجاب، ظهرت أحدى فرق الدبكة في برنامج «يلا نِدبك» على شاشة MTV اللبنانية مدجّجة بالسلاح، في إساءة صارخة لمعنى التراث وللرسالة الثقافية التي يُفترض أن يحملها هذا النوع من البرامج. ما قُدِّم لم يكن عرضًا فنيًا، بل استعراض قوة فجّ، يخلط بين الفلكلور الشعبي ومنطق الميليشيا، ويضرب في الصميم فكرة الدبكة اللبنانية كفن جامع، فرِح، ومتصالح مع الحياة.
الدبكة، تاريخيًا، هي رقصة الأرض والعرق والتكاتف. هي أقدام تضرب التراب لا زنادًا يُهدِّد، وأيادٍ تتشابك لا أصابع تُمسك بالسلاح. إدخال السلاح إلى هذا المشهد ليس “ابتكارًا فنيًا” كما قد يدّعي البعض، بل تشويه متعمّد للتراث، وتطبيع بصري مع ثقافة العنف، خصوصًا حين يُبَثّ ذلك في برنامج تنافسي يعتمد على تصويت الجمهور، أي على شرعنة هذا المشهد شعبيًا.
الأخطر من ذلك أن هذا العرض يمرّ على شاشة وطنية، في بلد يدفع يوميًا ثمن فائض السلاح وانفلاته. لبنان، الذي أنهكته الحروب والانقسامات، يحتاج إلى نزع السلاح من المخيلة قبل الشارع، لا إلى إعادة تدويره في قالب فني مزيّف. كيف يمكن لبرنامج ترفيهي أن يتغاضى عن هذه الرمزية الخطيرة، أو أن يقدّمها كجزء من “الهوية”؟
المسؤولية هنا لا تقع على الفرقة وحدها، بل على القائمين على البرنامج والقناة. اختيار بث هذا المشهد هو قرار تحريري، وليس صدفة. وهو قرار يطرح أسئلة أخلاقية حول دور الإعلام: هل هو مرآة نقدية للمجتمع أم منصة لتبييض أخطر تناقضاته؟
إذا كان الهدف الاحتفاء بالتراث، فليكن ذلك بكرامة التراث لا بتشويهه. الدبكة لا تحتاج إلى بندقية كي تكون قوية، ولا إلى رصاص كي تكون “مؤثرة”. قوتها في بساطتها، وفي كونها مساحة جامعة، لا ساحة استعراض سلاح. ما عُرض ليس دبكة… بل رسالة خاطئة في بلد لم يعد يحتمل المزيد من الرسائل الخاطئة
ما يزيد المشهد استفزازًا هو توقيته وسياقه. نحن أمام جيل شاب يشاهد هذه البرامج بوصفها مساحة ترفيه ونموذجًا يُحتذى، لا مادة نقدية. حين يُربط الفرح الشعبي بالسلاح، يُعاد إنتاج خطاب خطير مفاده أن القوة هي شرط الحضور، وأن الهوية لا تكتمل إلا بمظاهر العنف. هكذا تُزرع في الوعي المجتمعي صورة مشوّهة عن الانتماء، وتُختزل الثقافة في أدوات تهديد، بدل أن تكون مساحة تعبير وحياة. الفن، حين يفقد بوصلته، يتحول من أداة تحرّر إلى وسيلة ترويض.
ثم ماذا عن فكرة المنافسة نفسها؟ أي رسالة يحملها تصويت الجمهور لفريق يلوّح بالسلاح؟ أليس في ذلك مكافأة رمزية لثقافة ناضل اللبنانيون طويلاً للخلاص منها؟ إن تحويل التراث إلى أداة استقطاب سياسي أو أمني، ولو بشكل غير مباشر، هو لعب بالنار في بلد هشّ.
كان الأجدر بالبرنامج أن يضع حدودًا واضحة، لا أن يترك المنصة مفتوحة لكل ما يثير الصدمة ويجذب المشاهدات. فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى استفزاز رخيص ليُثبت حضوره، بل إلى وعي وشجاعة في الدفاع عن المعنى، لا عن السلاح
إكرام صعب
[email protected]

لمشاركة الرابط: