مع كل استهداف أمني أو حادثة تهزّ منطقة لبنانية، يتكرر المشهد ذاته بطريقة تكاد تصبح مألوفة ومقلقة في آن واحد: ضربة تقع، ارتباك يعمّ المكان، شائعات تنتشر بسرعة البرق، فيما يبحث الناس عن حقيقة ما جرى وعن جهة رسمية تطمئنهم وتوضح لهم الصورة. لكن ما يظهر غالبًا هو غياب الدولة أو تأخرها عن أداء دورها الطبيعي في مثل هذه اللحظات الحساسة.
السؤال البديهي الذي يطرحه اللبناني اليوم هو: أين الأجهزة الأمنية المولجة بحماية المواطنين؟ وما هو دورها عندما يقع حدث أمني بهذا الحجم؟
في أي دولة تحترم مؤسساتها، يتحول موقع أي استهداف أو جريمة فورًا إلى مسرح أمني مغلق ومحكم. تُفرض طواقي أمنية واضحة، يُمنع دخول غير المختصين، تُجمع الأدلة بدقة، وتُدار المعلومات بمسؤولية. أما في لبنان، فكثيرًا ما يتحول المكان إلى مساحة مفتوحة يدخلها ويخرج منها من يشاء، قبل أن تُعرف حقيقة ما جرى أو تُحسم الروايات المتناقضة التي تتناقلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل.
المفارقة أن جهات سياسية أو حزبية تكون أحيانًا الأسرع وصولًا إلى المكان، فتبدأ البيانات والتصريحات والتأكيدات والنفي، بينما تبقى الرواية الرسمية غائبة أو متأخرة. هذا الواقع لا يسيء فقط إلى صورة الدولة، بل يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات والتوظيف السياسي، ويضعف ثقة الناس بالمؤسسات التي يفترض أن تكون المرجعية الأولى والأخيرة في إدارة الأمن والتحقيق.
ولا يقف الأمر عند إدارة مسرح الجريمة أو الاستهداف. فثمة سؤال أكثر عمقًا يتصل بالشق الوقائي: أين الرقابة الأمنية على الأحياء والشوارع والمباني؟ ومن يتابع مسألة الشقق المؤجرة أو الأشخاص الدخلاء الذين قد يقيمون في مبانٍ سكنية من دون أن يعرف عنهم الجيران شيئًا؟ ومن يضمن ألا يتحول المدنيون الآمنون إلى غطاء أو دروع بشرية لصراعات لا علاقة لهم بها؟
إن ترك الأحياء السكنية عرضة لهذا النوع من الفوضى أو الغموض لا يهدد فقط الأمن المباشر، بل يزرع القلق في حياة الناس اليومية. فالمواطن اللبناني الذي يفتح باب منزله كل صباح لا يفترض به أن يتساءل إن كان المبنى المجاور أو الشقة القريبة تخفي ما قد يجلب الخطر إلى حيه وعائلته.
قد يقول البعض إن الظروف الأمنية المعقدة التي يعيشها لبنان تفرض تحديات كبيرة على الأجهزة. وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن الصحيح أيضًا أن غياب الدولة عن المشهد أو تراجع حضورها في لحظات حساسة يترك فراغًا سرعان ما تملؤه الفوضى وتضارب الروايات والنفوذ المتعدد.
لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى دولة واضحة الحضور، قادرة على فرض هيبتها في الميدان، وضبط مسار التحقيقات، وإدارة المعلومات بشفافية ومسؤولية. فالأمن ليس مجرد رد فعل بعد وقوع الحدث، بل منظومة متكاملة من الوقاية والمراقبة والتدخل السريع وإدارة الأزمات.
المواطن اللبناني لا يطلب الكثير. كل ما يريده أن يشعر بأن هناك دولة تراقب، تحمي، وتتصرف عندما يهدد الخطر حياته اليومية. أما استمرار المشهد الحالي، حيث يتقدم الضجيج السياسي على الحضور الأمني الرسمي، فلا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: تعميق شعور الناس بأنهم متروكون لمصيرهم في بلد يفترض أن تكون حمايتهم أولى أولوياته.
وإلى أن تعود الدولة لتكون المرجعية الفعلية للأمن، سيبقى السؤال معلقًا في أذهان اللبنانيين بعد كل حادثة: من يدير المشهد فعليًا… ومن يحمي المواطنين؟
إكرام صعب
