“أبو عمر”… أمير بلا إمارة ولاعب جمهورية في بلدٍ يتقن الفوضى

إكرام صعب
في بلدٍ تتزاحم فيه الأزمات كما تتزاحم السيارات عند إشارات بلا شرطي، لم يكن ينقص اللبنانيين سوى ظهور أمير بلا إمارة. يحمل لقبًا أثقل من وزنه، ويتنقّل بين الهواتف والقصص كما يتنقّل الوهم بين العقول المتعبة. اسمه «أبو عمر»، ولقبه «أمير»، أما دولته فمعلّقة في مكانٍ ما بين «قريبًا سنعلن» و«الوقت غير مناسب».
لا يأتي الرجل على حصان أبيض، ولا في موكب رسمي، بل عبر مكالمة هاتفية أو رسالة صوتية قصيرة، يبدأها بنبرة واثقة كأنّه خرج للتو من اجتماع سيادي رفيع. يعرّف عن نفسه بهدوء ملوكي، ثم يختفي بالسرعة نفسها، تاركًا خلفه سؤالًا بسيطًا ومحرجًا: أمير على ماذا؟ ومن اعترف؟ ومتى؟
في لبنان، حيث اللقب أحيانًا أهم من الفعل، وجد أبو عمر أرضًا خصبة. فهنا يمكن لأي شخص أن يصبح دكتورًا بلا أطروحة، وخبيرًا بلا خبرة، وأميرًا بلا شعب ولا خريطة. كل ما تحتاجه نبرة صوت ثابتة، وقليل من الغموض، وكثير من الثقة بالنفس.
الغريب في قصة هذا الأمير أنّه لا يطلب شيئًا مباشرًا. لا يبتز، ولا يفاوض، ولا يعلن. يكتفي بالإيحاء. يقول: «نحن نتابع الموضوع»، أو «لدينا اتصالات على أعلى المستويات»، أو تلك العبارة اللبنانية التي لا تلتزم بزمن: «الأمور ستُحلّ قريبًا». وأيّ مواطن لبناني مخضرم يعرف أنّ «قريبًا» هنا لا تعني سوى: لا تسأل مجددًا.
بحث الإعلام، دقّق، وفتّش، فلم يجد إمارة، ولا بيانًا رسميًا، ولا اعترافًا سياسيًا أو دبلوماسيًا، ولا حتى تعريفًا موثوقًا. ما وُجد كان اسمًا يتردّد أكثر مما يُثبت، وقصّة تكبر كلما غاب الدليل، ولقبًا يعيش على الألسن أكثر مما يعيش على الأرض.
ولأنّ الحكاية في لبنان لا تكتمل من دون دور سياسي، سرعان ما اتّضح أنّ أبو عمر ليس أميرًا فقط، بل لاعب جمهورية. لاعب لا ينتمي إلى فريق، ولا يعترف بحَكَم، ويبدّل موقعه بحسب المباراة. يظهر وسيطًا حينًا، ومقرّبًا حينًا آخر، وأحيانًا «صديق الجميع»، في جمهورية اعتادت أن تُدار من الكواليس أكثر مما تُدار من النصوص الدستورية.
أبو عمر لا يرشّح نفسه، لكنه يعرف الجميع. لا يتبوّأ منصبًا، لكنه يتدخّل. لا يملك صفة، لكنه «يتابع». وفي بلدٍ تُدار فيه الأمور بالهمس، يكفي أن تقول «نحن على تواصل» لتُفتح أبواب، أو تُغلق ملفات، أو يُربك مشهدٌ كامل.
هو لاعب جمهورية لأن الجمهورية نفسها تحوّلت إلى ملعب بلا خطوط واضحة، مؤسسات متعبة، ودولة تسمح لأي لقب أن يتسلّل بين الشقوق. في هذا الفراغ، لا تحتاج إلى برنامج سياسي ولا إلى مشروع، بل إلى قدرة على تدوير الكلام، وموهبة في الإيحاء بأنك تعرف ما لا يعرفه الآخرون.
وهكذا، لا يعود «الأمير الوهمي» حالة فردية بقدر ما يصبح مرآة لمرحلة. ظاهرة وُلدت من ضعف الدولة، وترعرعت في غموض السياسة، وازدهرت في زمن صار فيه الادّعاء بديلاً عن الشرعية، والصوت أعلى من الوثيقة.
قد لا يكون أبو عمر أخطر ما يواجهه لبنان، لكنه بالتأكيد أكثره كاريكاتورية. ففي بلدٍ بلا كهرباء، وبلا عدالة، وبلا استقرار، يظهر أمير بلا إمارة، ولاعب جمهورية بلا جمهورية مكتملة.
سيبقى أبو عمر أميرًا في مملكة واحدة فقط: مملكة الحكايات اللبنانية، حيث كل شيء قابل للتصديق إذا قيل بثقة، وكل لقب يمكن أن يمرّ إذا لم يسأله أحد عن مصدره. مملكة لا تحتاج إلى اعتراف دولي، بل إلى فراغ كافٍ ليتمدّد فيه الوهم، وإلى تعب عام يجعل الناس أقل ميلاً للتدقيق وأكثر استعدادًا للتسليم.
في هذه المملكة، لا يُسأل الأمير عن إماراته، ولا يُحاسَب اللاعب على قواعد اللعبة، لأن اللعبة نفسها لم تعد واضحة. وهكذا، يصبح أبو عمر تفصيلًا صغيرًا في مشهد كبير، لكنه تفصيل كاشف، يفضح هشاشة الواقع أكثر مما يفضح شخصه.
فحين تغيب الدولة، يتكاثر الأمراء.
وحين تبهت الجمهورية، يظهر لاعبون من خارج النص.
وحين يصبح السؤال ترفًا، تتحوّل الخرافة إلى خبر، والادّعاء إلى صفة، والوهم إلى شخصية عامة.
عندها فقط نفهم أنّ القصة ليست عن رجل، بل عن بلد… بلدٍ يسمح لأمير بلا إمارة أن يمرّ، وللاعب جمهورية أن يلعب، وللوهم أن يجد له مكانًا محترمًا بيننا
[email protected]

لمشاركة الرابط: