في ذ كرى شهيد الأوطان والأمم

بسم الله الرحمن الرحبم
والعصر. انّ الانسان لفي خسر,الاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحقّ وتواصلوا بالصبر (ص).
بما أنّ العلم هو حقيقة من حقائق ألله.والانسان وجد من خلال علم يقين,دقيق التفصيل وسرّ من اسرار ألله.اذا”ودون أدنى شك انّ الانسان هو حقيقة ألله المطلق على كوكبه الأرض.
بما أنّ العلم هو نور من أنوار ألله ألذي من خصائصه انارة محيطه بداية”و أفاقه أللآحدود لها,من خلال الموهبة ألتي منّ ألله بها على انسانه “موهبة ألعقل”.من هنا قول للامام علي بن ابي طالب (ع).
“ربيّ من وهبته العقل ماذا حرمته؟ ربيّ من حرمته العقل ماذا وهبته؟
غير أنّ مفهوم الاضاءة أو الانارة يختلف بتنوع أشكالها:فعود الكبريت يضيىء,الشمعة تضيىء,المصباح يضيىء,الثرية تضيىء,النجوم تضيىء,القمر ينير و الشمس تنير الكواكب كلّها.أمّا اضاءة لا بل انارة الانسان فيجب أن تكون الأكثر بهاء”,لأنّها نابعة عن تصميم عقل جعله الباري تعالى نيّرا” و مخيّرا” في مسلكيته.من أجل الابحار في بحار و محيطات الحياة التي لا تنضب.للتمكن من نيل المرتبات العليا,لامتحان الخللق لمخلوقه الانسان. بعد اعتراف ألله جلّ جلاله من أنّ الانسان هو أفضل مخلوقاته.حيث كان تكريمه له عند الطلب الى ملائكته أن يسجدوا لآدم فنعم بالله الواحد الأحد!!!.
بما أنّ جميع أنبياءألله و رسله جاؤا على مرّ القرون,منذ ابداع ألله الكون و الخلق,مبشرين,هادين ومنذرين علما”
ويقينا” بأنّ وجودهم على الأرض كان بفترات زمنيّة متباعدة بقرون من السنين. وكأنّ لبعثهم دلالات الهية لا يعلم حقيقتها الاّ ألله. غير أنّ المقصود بها للعقل البشري هو التذكير مع اعادة رسم الطريق نحو الصلاح. صلاح الانسان مع بعض التغيرات حسب التطورات التي أحدثها العقل البشري على مدى السنين أو العصور التي تباعدت. من هنا أيضا” قول للامام علي بن أبي طالب (ع):
“لا تعاملوا أولادكم كما عاملكم آبائكم فانّهم خلقوا لزمان غير زمانكم”.
كلّ مؤمن يعلم أنّ الموت حقّ و حقيقة,خاصّة” و أنّ الانسان قادر خلال حياته أن لا ينجب ذريّة” و الوسائل عديدة.لكنّه مهما بلغ من قدرة و علم و ميزات لا يمكنه رفع الموت عن مخلوق.
جاء في كتاب ألله العزيز ” القرآن الحكيم “:
بسم ألله الرحمن الرحيم
” من أيّ شيىء خلقه,من نطفة خلقه فقدّره, ثمّ السبيل يسره, ثمّ أماته فأقبره, ثمّ اذا شاء أنشره “(ص),سورة عبس.
أيها الحفل الكريم…… في ذكرى الراحل الكبير ,شهيد الوطن الصغير لبنان,شهيد الوطن العربي الكبير و شهيد الانسانيّة جمعاء. دعوني أسلط بعضا” من الضؤ كوني طبيب :
استنادا” الى الآية الشرفة الآنفة الذكر :انّ الانسان قبل ابصار نور كوكب الارض أي أثناء تواجده في رحم أمّه يمرّ بحياتين :
الأولى: نباتيّة تكوينيّة تبدأ بامتزاج نطفة واحدة من بذرة الرجل مع بويضة الأنثى, لتشكّل خليّة التي لا تلبس بعد أسبوع أن تنقسم الى قسمين. بعد أسبوع آخر القسمين ينقسمن الى أربعة, ثمّ بعد أسبوع ثالث الى ثمانية فالى ستة عشر و أخيرا” الى اثنان و ثلاثون قسما” أو جزأ” يتم من خلالهم تكوين كافة أعضاء الجسد البشري مع نهاية الشهر الرابع للحمل.
الثانية: روحيّة جنينيّة. عند اكتمال تكوين كافة أعضاء ألجسد. ألله سبحانه و تعالى يرسل روحا” لتتلبس هذا الجسد مع قدر هذه الروح التي و في بعض الأوقات و قبل ابصار النور تتعرض للوفاة. لماذا؟ انّها عبرة من عبر ألله لا يعلمها الاّ هو !!!.
أمّا بعد ابصار النور تبدأ مرحلة تيسير السبيل لهذا الانسان كي يصل الى ما قدّر أو كتب له عند انزال ألله الروح في جسده. هذه المرحلة من تيسير السبيل تنتهي بعد سنين باماتة الروح لتعود الى باعثها, و قبر الجسد في التراب . ” من التراب و الى التراب “.
هنا دعوني أنتقل الى آية شريفة من سورة ” الفجر “: بسم ألله الرحمن الرحيم. يا أيتها النفس المطمئنّة ارجعي الى ربك راضّة” مرضيّة” فادخلي في عبادي و ادخلي جنّتي (ص). ”
اذا” الدعوة الالهيّة فقط للروح المطمئنّة من عملها, من تعبّدها, من استقامتها خلال مرحلة تيسير السبيل هي وهي فقط الراضيّة المرضيّة للدخول أولا” في عباد ألله.
لنعود قليلا” الى الآية الشريفة السابقة من سورة عبس: ” ثمّ اذا شاء أنشره “.هنا أليست الاشارة لرضا ألله عن هذه الروح لاعادتها مرّة لا بل مرّات عديدة لتتلبس أجسادا” عديدة على مرّ القرون و العصور. و في النهاية بعد الامتحان الربّاني بأت اذن ألله تعالى بدخولها الجنّة. اذا” دخول الأرواح الصالحة بداية” يكون في عباد ألله و من ثمّ يأت دخول ألجنّة .
ايها الأحباء…اذا كانت هذه الاشارة الالهية الجميلة للروح المطمئنة من عملها والتي أرسلها الله من اجل ذلك العمل هي وهي فقط التي تدخل في النهاية جنّة الله لتكرّم احسن تكريما”. فكيف هي حال أرواح الأنبياء والرسل؟؟؟
هنا اليس من سؤال يجب ان يراود الانسان عند بلوغه الصفاء! صفاء العمل ,صفاء الروح وصفاء الشكر الذي يقرّبه من الباري تعالى : اليست هي روحا” واحدة” التي تلبست اجساد جميع الأنبياء خاصة” منهم أولوا العزم بأمر من الخالق تعالى؟؟؟ نعم اني أعتقد حسب مفهومي من انّ جميع الأنبياء أولوا العزم أليسوا روحا” واحدة. منذ ادم وحتى محمد بن عبدالله خاتمهم والذي جاء مرفقا” بمدينة العلم “القران الكريم” . مميزا” وحاويا” دساتير الدنيا الفانية والدنيا الاخرة .
“وفي القران خبر ما قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ ما بعدكم “.
مفسحا” المجال لموهبة العقل التي منّ الله بها على مخلوقه الانسان كي يستشفّ ويكتشف ويرتقي الى الصفاء من خلال المعرفة والحقيقة والعلم التي رسخها الله بين ايدينا ” القران الحكيم “.كل نبييّ كان ينتقى له من الباري تعالى معاونين مخلصين , صالحين ومقربين كي يساعدوه في ارساء ونشر ما أوتى به من ربّ العالمين .هذا ما يوحي لنا تاريخ الأنبياء .
هنا ايضا” لا بد من سؤال : اليست أرواح هؤلاء المنتجبين هي نفسها ؟ غير أنّ نسبة” كبيرة” من اللذين يدعون العلم يرهقون عقولهم بأمور تتنافى ومفهوم وجودهم . الأمر الذي يجعلهم يشككون في الوجود الالهي ناهيك عن عدم الاعتراف بهذا النبي أو ذاك الرسول . مع السؤال في كثير من الأحيان : “كون الله خالق الكون وكائناته . لماذا يسمح بما هو حاصل على الأرض من تفاوت في التفكير والعمل , ان كان خيرا” ام شرّا” ؟
لو كانت مشيئة الباري جعل الخلق ينصرف ويعمل في خط ّ أحاديّ . لما كان للحياة من نكهة ولكان الانسان مسيرا”. لذا فاذا ما تمعّنا لا بل تأملنا بالعمق وأطلقنا موهبة الله لمخلوقه ” العقل ” يتفحص كل ما أتانا الله به لوجدنا التناقض هو السائد بكل أشكاله : الحياة الى جانب الموت , الخير الى جانب الشر ,النور الى جانب الظلمة , الجميل الى جانب القبيح , الأخضر الى جانب اليابس , الساقية والنهر والبحر الى جانب الصحراء , الابتسامة الى جانب الدمعة , المحب الى جانب البغيض , الكلمة الحلوة الى جانب الكلمة الرديئة , الخ ….
كل هذا يؤشر الى أنّ بالتنوع نتوصل الى الغنى وخلاصة هذا الغنى هو غنى العقل الذي بواسطته نعمل ونتصرف وننجز ونرتقي الى الصفاء الروحي الذي يجعل من الحرية حرية” حقيقية , من الديمقراطية ديمقراطية” واقعية” , من الأخلاق أخلاقا” حميدة” ,من العدل عدلا” حقيقيا” ومن اية شريعة شريعة الله .

في ذكراك أيها الراحل الكبير لا بد من وقفة اجلال واكبار لأن اقول كلمة حق وكيف لا والحق أحق ان يقال : ان الروح التي تلبست جسدك وانت في رحم أمّك هي روح صالحة تعود الى أرواح المنتجبين اللذين ناصروا أنبياء الله . وان استحضرتني ذكرى روحا” على مدى القرون المنصرمة فتستحضرني روح عمر بن عبد العزيز طيّب الله ذكراه لما تميز ذاك الانسان الخليفة من نشر للعدل , من عطاء ,من ايواء للفقراء والأيتام , من بسط للأمن الشيء الذي جعل بيت مال المسلمين يستفيض غنى” بالمال والذهب مما أتاح له تشييد المساجد ودور العبادة والعمران كما الانسان .
نعم أيها الشهيد كما كنت تردد بأنّ الله سبحانه وتعالى أكرمك واعطاك ثروة عملت من خلالها على تعليم الاف الطلاب كما ساهمت في بناء المؤسسات هنا وهناك قبل مجيئك الى وطنك الصغير المنكوب باثار حروب الاخرين .
عملت جاهدا” وبكل طاقاتك وامكاناتك على محو اثار الدمار على ساحة الوطن . عملت دون كلل على حماية المقاومة الباسلة وشرعتها دوليا” على أثر مجزرة قانا المؤلمة والتي كانت وصمة عار على جبين الصهاينة . كما كنت المدافع الأول عنها في الأروقة الدولية حتى ساعات قليلة قبل استشهادك . عملت على تقويم البنك المركزي والمصارف الخاصة بالودائع المصرفية من خلال ثقة العالم ومؤسساته بك . قدّمت المساعدات للمزيد من المؤسسات الخيرية والدينية والاجتماعية والرياضية وكنت الأب المعطاء للفقراء والأيتام دون تفرقة .
رغم كل هذا أيها الشهيد انتقدت في وطنك وقيل عنك الكثير من أصحاب النقوس البغيضة والسيءة . لكنك كنت الشجرة المثمرة في البستان القاحل .لقد حق فيك قول الشاعر :
“قد تجاوزت عنهم , وتغاضيت وصمّت عن صوتهم أذاني
وتداويت بالمحبة عن جرح فؤادي ونالهم غفراني ” .
أيها الراحل الكبير…انّ ما جرى لك جرى لغيرك من العظماء على مدى الوجود البشري , لأن هناك دائما” عبر التاريخ أوغادا” من مخلوقات الله لم يهبهم الله موهبة العقل ليقودوا رعيتهم وينقادوا الى حيث الله .
هؤلاء الأوغاد يدعون حضارتهم الزمنية المزيفة مبتعدين عن حضارات الشعوب العريقة . يدعون حريتهم دون التوقف عند حرية الأحرار . يدعون ديمقراطيتهم الناقصة دون افساح المجال لترسيخ مفاهيم الديمقراطية الحقة . يمارسون عدالتهم الضّالّة دون الرجوع الى عدالة الله الحقة . وبكلمة واحدة يسمحون لأنفسهم ما لا يسمحون به للغير وكأنّ هذا الكون ملكهم وليس لله ولاحرار الله فيه شيئا” .
ان هؤلاء الأوغاد هم اعداء أنفسهم بداية” , أعداء الشعوب , أعداء حقوق الانسان , أعداء الحرية , أعداء الديمقراطية , أعداء العدالة وأعداء الله .
انهم يمارسون كلّ أنواع العداء , انهم شركاء ابليس , انهم مؤيدوا الشيطان الأكبر , انهم دهاة العقل البشري , انهم المفسدون , انهم الحاقدون , انهم باسطوا القتل والدمار .
قتلوك غدرا” وقتلوا النفس الذي حرم الله قتلها . قتلوا الخير , قتلوا الانسانية جمعاء , يتموا الأيتام ومحوا الابتسامة من شفاه العجزة . لكنهم لن يتمكنوا من تدمير ما بنيته وما خططت له بموهبة عقلك لأن نهجك سيستمر من خلال أسرتك واصدقائك والرجال اللذين شاركتهم عقولهم والمخلصين لهذا الوطن الذي يعيش في رحاب الله لأنه بلد الله وكافة أديان الله .
عن رسول الله محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلّم) أنه قال : ” بعد الموت كل شيْ ينقطع عن ابن ادم الاّ من ثلاث:
اولا” : صدقة جارية وما أكثر الصدقات التي تركت .
ثانيا” : علم ينتفع به وما أكثر من علّمت من كلّ المذاهب والملل والطوائف . وها هي مؤسساتك التربوية مستمرة في ادائها الجبار .
ثالثا” : ولد صالح يدعو له . وها هم ابناؤك الميامين والصالحين يدعون لك ​. ​.
رحمك الله أيها الخالد الكبير .
الكلمات المقدسة والفاتحة كل على طريقته الى روحك الطاهرة مصحوبة بالصلاة على الأنبياء وصحبهم وعلى محمد وال محمد وصحبه الطيبين الط
بقلم الدكتور يحيى عبدالله جبلي
( من أصدقاء الرئيس الشهيد)

لمشاركة الرابط: