مدينةٌ فقيرة على شاطىء غني .. بقلم نزيه حَمد

حين تنفصل الثروة عن مسؤوليتها الاجتماعي
على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط،
تقف عدة مدن لبنانية تُصنَّف بين أفقر المدن الساحلية في المنطقة.
مساكن متصدّعة، بنى تحتية منهكة،
وشباب يعيشون بين خيارَي الهجرة أو الانتظار الطويل.
مدن تطلّ على البحر،
لكنها تعيش على هامش التنمية.
المفارقة اللافتة أن هذه المدن نفسها
تضمّ رجال أعمال راكموا ثروات ضخمة،
وتُدرج أسماؤهم ضمن لوائح الأغنياء على المستوى العالمي،
في وقتٍ لا تشهد فيه مدينتهم
أيّ استثمار إنتاجي يُذكر،
ولا مشروع تنموي قادر على خلق فرص عمل
أو تحسين شروط العيش.
المال موجود،
لكن أثره الإجتماعي غائب.
والثروة حاضرة،
لكنها منفصلة عن بيئتها.
لا مصانع،
لا ورش إنتاج،
ولا مبادرات مستدامة
تمنح الناس سببًا للبقاء في مدينتهم
بكرامة.
وعندما تقع أزمة اجتماعية أو معيشية،
يبرز السؤال المعتاد:
أين الدولة؟
وماذا قدّمت الدولة؟
سؤال مشروع،
لكنّه غير مكتمل.
فالدولة ليست جهازًا إداريًا فحسب،
ولا كيانًا منفصلًا عن المجتمع،
بل شراكة اجتماعية تقوم على توازن الأدوار
بين السلطة، ورأس المال، والمواطن.
الدولة نحن…
ونحن الدولة.
وعندما يتراجع أصحاب الثروة عن دورهم الطبيعي
في الاستثمار والتنمية،
لا ينتقل العبء تلقائيًا إلى الدولة،
بل يقع مباشرة على كاهل المجتمع الأضعف.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية،
تتبدّل اللغة.
يُستدعى الفقراء،
وتُطلب أصواتهم،
وتُستعاد مفردات القرب والانتماء.
ثم، بعد إقفال صناديق الاقتراع،
تعود المدينة إلى عزلتها،
ويعود المال إلى صمته،
وتبقى التنمية مؤجَّلة.
المدينة لا تطلب إحسانًا،
بل استثمارًا.
ولا تبحث عن وعود،
بل عن شراكة طويلة الأمد.
فرصة عمل واحدة
تفوق في أثرها عشرات الخطابات،
ومشروع إنتاجي صغير
أكثر فاعلية من حملات سياسية موسمية.
القضية هنا
ليست اقتصادية فقط،
بل أخلاقية أيضًا.
كيف يمكن لمدينة أن تبقى فقيرة
فيما أبناؤها من أصحاب الثروات الكبرى؟
وكيف يُطلب من الناس أن يمنحوا ثقتهم
لمن لم يقدّم لهم يومًا
فرصة، أو أفقًا، أو مشروع حياة؟
الأوطان لا تنهار دفعة واحدة،
بل تتآكل حين يغيب الإحساس بالمسؤولية الجماعية،
وحين يتحوّل المال
من أداة بناء
إلى ثروة معزولة عن مجتمعها.
فالمال الذي لا يُستثمر في الناس،
يبقى رقمًا بلا معنى،
وشاهدًا صامتًا
على مدنٍ فقيرة
مرّت بها الثروة…
ولم تترك فيها أثرًا.

نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية-الخليجية

لمشاركة الرابط: