ترامب من فنزويلا إلى إيران ومن «قسد» إلى حزب الله..

يراقب لبنان بكثير من الحذر تطورات المشهد الأميركي المتسارع، حيث تتدفق الحشود العسكرية الأميركية نحو الشرق الأوسط في أكبر عملية إعادة تموضع منذ حرب العراق، موجهة بوضوح نحو إيران، في الوقت الذي يشتدّ فيه ضغط واشنطن على قوات سوريا الديمقراطية «قسد» للانضمام إلى الجيش السوري الرسمي. هذه التطورات، التي جاءت بعد انفجار الشارع الإيراني في ديسمبر 2025 ، وتحولت من سياسة الردع إلى وضعية «ما قبل الحرب»، مع وصول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى بحر العرب مصحوبة بثلاث مدمرات وسفن قتالية، وانتشار طائرات قادرة على توجيه ضربات عميقة، إلى جانب تعزيزات أخرى.
وفي سوريا، يبدو الضغط الأميركي على «قسد» ،التي نشأت بدعم واشنطن الكبير ضد داعش، إعلاناً عن نهاية مرحلة التنظيمات المسلحة خارج إطار السلطات الشرعية في المنطقة، الأمر الذي يُعتبر بمثابة رسالة غير مباشرة لحزب الله وأذرع إيران الأخرى في الإقليم.
في هذا السياق الشائك، تلعب إيران على حافة الهاوية أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعيد ترتيب النظام العالمي بقوة عسكرية هائلة تشمل إستنفار قواعد وحشد طائرات وبوارج تتزاحم في البحار،جاهزة لسيناريو صدام محتمل، أو تفاوض تحت تهديد السلاح، وذلك من فنزويلا إلى إيران.
ثمة تقارير تشير إلى أن هذه الحشود غير مسبوقة وضخمة، وحسب تقييم إسرائيلي، تترافق مع ظهور سلاح أميركي جديد، يثير مخاوف دولية من استخدامه ضد طهران، مما يضع إيران أمام خيارين: إعادة حساباتها في اللحظة الأخيرة وتجرُّع «كأس السم» مرة أخرى، بالاستجابة للشروط الأميركية المركزة على تغيير سلوك النظام تحت طائلة إسقاطه،والسماح بعودة الشركات الأميركية النفطية للإستثمار في النفط الإيراني الذي يُعتبر ثاني أكبر إحتياطي نفطي في العالم بعد فنزويلا، أو المخاطرة بتصعيد يهدد بكسر عظام البنية الهيكلية لنظام ولاية الفقيه.
سبق لإيران أن انحنت تحت الضغط الترامبي، كما في صفقة 2018 التي أعادتها إلى طاولة المفاوضات بعد حملة «الضغط الأقصى»، لكن اليوم الوضع أشد تعقيداً مع تحول الاحتجاجات الداخلية إلى انفجار شعبي، وتدفق 5000 جندي إضافيين مع «لينكولن» للانضمام إلى آلاف آخرين في الخليج والأردن والكويت.
أما في سوريا، فالأحداث الأخيرة في الأسبوعين الماضيين تكشف عن تحول استراتيجي أميركي يتجاوز «قسد» نفسه. بعد دعم واشنطن الضخم للقوات الكردية ضد داعش، يأتي الضغط لدمجها في الجيش السوري كإشارة إلى إنهاء عصر المليشيات غير الشرعية، سواء كردية أو شيعية. هذا القرار يحمل رسالة مبطَّنة لحزب الله في لبنان وبقية «أذرع إيران» في العراق واليمن، مفادها أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع تنظيمات مسلحة خارج سيطرة الحكومات المعترف بها. ويأتي تصريح ترامب قبل مغادرته واشنطن إلى دافوس، حيث قال إنه «يفكر بالقيام بعمل ما في لبنان»، ليضيف موجة من التخوف والتوتر المباشر على بيروت، التي تراقب بقلق كيف يربط الرئيس الأميركي بين التصعيد الإيراني وتدخلاتها في الدول المجاورة.
لبنان الرسمي والشعبي يراهن على نجاح المساعي الديبلوماسية بين واشنطن وطهران، إذ يمكن أن تؤدي تسوية إيرانية مع ترامب إلى تراجع دعم طهران لحزب الله، مما يفتح الباب لعودة الحزب إلى إطار الدولة الشرعية، دون صدام مشابه لما يحدث مع «قسد».
الواقع أن المنطقة على حافة الانفجار، مع خريطة عسكرية أميركية حاسمة، تلوِّح بالعصا من جهة، وتترك للديبلوماسية حمل الجزرة من جهة ثانية. إيران، التي هددت بالرد الحازم على أي هجمة أميركية أو إسرائيلية، تواجه الآن لحظة حاسمة: هل تعيد الحسابات وتغيِّر سلوكها لتجنُّب الانهيار، أم تختبر جدّية ترامب الذي يبدو مصمماً على إعادة رسم الشرق الأوسط؟
في لبنان، يبقى السؤال مفتوحاً: هل «العمل» الذي يفكِّر فيه ترامب يعني دعماً للدولة ضد المليشيات، أم تصعيداً خارجياً ينعكس سلباً على الوضع الداخلي؟
الإجابة تكمن في الأيام القليلة المقبلة،حيث تتقاطع الحشود العسكرية مع دبلوماسية القوة.

اللواء – صلاح سلام

لمشاركة الرابط: