ثقافة النجاح… أيُّ وطنٍ نريد؟

في كثيرٍ من المجتمعات، لا تُزرَع ثقافة التنافس منذ الطفولة على أساس التفوّق الذاتي وتطوير القدرات، بل تُبنى على قاعدة الإقصاء.
يفوز واحد… ويُقصى الباقون.
وهكذا، وبصورة غير مباشرة، يتعلّم الطفل أن طريق النجاح يمرّ عبر إزاحة الآخر، لا عبر تحسين الذات.
تُجسِّد لعبة الكراسي هذه الفكرة بوضوح.
تسعة كراسٍ لعشرة أطفال، والفائز هو من يحصل على الكرسي، أمّا من يبقى واقفًا فيخرج من اللعبة.
ومع تقليص عدد الكراسي في كل جولة، يُقصى طفل بعد طفل، حتى يبقى فائز واحد.
هذه اللعبة البسيطة تزرع في الوعي المبكر ثقافة «نفسي نفسي»، حيث يتحوّل الآخر من شريكٍ محتمل إلى خصمٍ يجب إبعاده، وربما تحطيمه، بكل الوسائل لضمان التفوّق والنجاح.
في المقابل، تقدّم تجارب تربوية في دول متقدّمة، كاليابان، نموذجًا مختلفًا تمامًا.
اللعبة نفسها، وعدد الأطفال نفسه، لكن القاعدة تتغيّر:
إذا بقي طفل واحد بلا كرسي، يخسر الجميع.
فيتعلّم الأطفال التعاون، والتقارب، واحتضان بعضهم البعض كي ينجحوا معًا.
هنا لا يُلغى التحدّي، بل يُعاد تعريفه: التحدّي ليس في إقصاء الآخر، بل في حماية الجميع.
هذه الفلسفة لا تبقى محصورة في الروضة، بل تتحوّل إلى سلوكٍ عام.
ففي مجتمعات كهذه، حين يفشل فرد، يُطرح السؤال: ما الذي ينقصه؟ وكيف نساعده؟
لأن فشله يُعتبر خسارة جماعية، ونجاحه القادم مكسبًا وطنيًا.
أمّا في واقعنا، فكثيرًا ما نشهد العكس.
نحارب الناجح بدل أن نحميه،
ونُشكّك بكل من يتقدّم خطوة إلى الأمام،
وكأن التفوّق خطرٌ لا فرصة،
فنحوّل النجاح من قيمة يُحتذى بها إلى تهمةٍ تُحارَب.
ومن حقّ أي إنسان، بل من واجبه، أن يسعى ليكون الأفضل.
لكن الأفضلية الحقيقية لا تتحقّق عبر هدم الآخرين،
بل عبر تطوير الذات، وتحسين العمل، ورفع مستوى الأداء،
ومنافسة النفس قبل منافسة الغير.
نكون أفضل حين نرتقي بمعاييرنا،
لا حين نُسقِط من سبقنا.
ونبني وطنًا قويًا عندما نرفع المتعثّرين ونحمي المتفوّقين،
لا عندما نخاف من النجاح ونعاقب عليه.
ولعلّ ما نراه يوميًا في شوارعنا، وفي أماكن إنجاز المعاملات، وفي الطوابير غير المحترمة،
ليس سوى انعكاسٍ مباشر لهذه الثقافة.
فالسلوك العام هو مرآة التربية،
وما نزرعه في الطفولة نحصد نتائجه في الوطن.
في النهاية، السؤال ليس تربويًا فقط، بل وطنيٌّ بامتياز:
هل نريد وطنًا يتقدّم بأبنائه معًا،
أم وطنًا ينجو فيه فردٌ ويسقط فيه الجميع؟

بقلم نزيه عبدو حمد رئيس مجموعة نزيه اللبنانية الخليجية

لمشاركة الرابط: