البيان الختامي وتوصيات مؤتمر صناديق الزكاة وأثرها في تحقيق التنمية المستدامة

بعد اختتام مؤتمر صناديق الزكاة وأثرها في تحقيق التنمية المستدامة الذي نظمه مركز البحث العلمي في أزهر البقاع وصندوق الزكاة برعاية سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دربان، وذلك يومي السبت والأحد/ 5-6 شعبان 1447ه= 24-25 يناير 2026، صدر البيان الختامي عن المؤتمر وتضمن التوصيات التي خلص اليها المجتمعةن كما يلي:
إن الزكاة نبض الإسلام الحي في عروق الأمة، تجري كالنهر العذب يروي ظمأ الأرض العطشى. هي حكمة الحق الأعظم؛ جعلها الله للفقراء حقا مقدسا في أموال الأغنياء، كي لا يتحول الغنى إلى سجن للقلب، ولا الفقر إلى قيد للروح. فهي تزكية تصعد بالمال والإنسان معا إلى عالم أسمى، حيث يصير العطاء عبادة خفية. إنها الفريضة التي تزكي القلوب قبل الأموال، وتبني مجدا على أساس الإخاء، وتعيد توزيع النعم بحكمة تعلو على كل تشريع. فهي المعجزة الخالدة التي تجمع بين طاعة الخالق وإغاثة المخلوق، لتنهمر البركة نورا على الأرض، وتحفظ للمجتمع
أمنه واستقراره.
وانطلاقاً من أهمية فريضة الزكاة كركن من أركان الإسلام، وأداة فاعلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مجتمعات متماسكة، وبعد البحث والمناقشة العلمية الجادة في مؤتمرنا هذا، والذي سلّط الضوء على التحديات والفرص التي تواجه تطبيق الزكاة المعاصر، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والأزمات الإنسانية المتعددة، يسرنا أن تقدم البيان الختامي للمؤتمر متضمنًا أبرز التوصيات التي خلصت إليها جلساته وأوراق عمله.
وإذ يؤكد المشاركون على أن المشكلة المركزية التي تعترض تفعيل الزكاة في العديد من المجتمعات، وعلى رأسها لبنان، هي تدني مستوى الالتزام بإخراجها، فإنهم يرون أن التركيز على آليات التوزيع وفلسفته يظل قاصرًا ما لم يُوازَ بحملات مكثفة لتحصيل أموال الزكاة نفسها، باعتبارها المقدمة الأساسية لتحقيق مقاصدها.

وفي هذا الإطار، يوصي المؤتمر بما يلي :
أولاً: التوعية المجتمعية وتعزيز الامتثال الزكوي
1. اعتماد استراتيجية إعلامية وتوعوية وتسويقية شاملة، ممتدة لخمس سنوات، تشترك فيها مؤسسات الزكاة والجمعيات والجهات الدينية، لرفع مستوى الالتزام بإخراج الزكاة، وإبراز أثرها الشرعي والحضاري في تمكين الأفراد وبناء المجتمعات.
2. تصحيح المفاهيم الشائعة حول مصارف الزكاة، والتأكيد على شمولها للمصارف الثمانية الشرعية، مع إبراز المصارف ذات البعد المقاصدي والحضاري، كالتأليف، ودفع الضرر، والدعوة، وتمكين الدين.
ثانيًا: البحث العلمي والاجتهاد المؤسسي
3. تشجيع الدراسات المشتركة بين الفقهاء والاقتصاديين، ودعم البحوث التطبيقية والميدانية، لا سيما في البيئات المتأثرة بالأزمات.
4. اعتماد منهجية الاجتهاد الجماعي المؤسسي في القضايا الزكوية المعاصرة، التي تتداخل فيها الأبعاد الشرعية والاقتصادية والاجتماعية.
5. إجراء دراسات منهجية لرصد الاحتياجات الزكوية ضمن رؤية تمويلية متكاملة، تربط بين الإغاثة العاجلة والتمكين والتنمية المستدامة، وفق فقه الأولويات ومقاصد الشريعة.
6. تبني اجتهاد منضبط في تقدير النصاب، يراعي اختلاف أنواع الأموال، والقوة الشرائية، والتوازن بين شمول الزكاة وتحقيق المواساة الحقيقية.
7. الدعوة إلى إعداد قانون نموذجي للزكاة في الدول التي تفتقر إليه، ومراجعة القوانين القائمة، وإدماج موضوعات الزكاة المعاصرة في برامج الدراسات العليا.
8. إصدار معايير شرعية معاصرة لزكاة الأنشطة الاقتصادية الحديثة (كالأنشطة الرقمية، والصكوك، والاستثمار الجريء)، مع إعداد أدلة إجرائية تطبيقية لأصحابها.
ثالثًا: الحوكمة المؤسسية والتنظيم والتشبيك
9. إنشاء هيئة رقابية عليا – إقليمية أو دولية – تُعنى بترخيص مؤسسات الزكاة والإشراف عليها وفق معايير موحدة، بما يعزز الثقة والشفافية.
10. تعزيز الحوكمة الرشيدة في صناديق الزكاة، من خلال الفصل المحاسبي، والرقابة الشرعية والمحاسبية المستقلة، ونشر تقارير مالية مدققة دورية.
11. اعتماد نموذج الحوكمة التشاركية القائم على: الدولة المنظِّمة والرقيبة، والمؤسسات الأهلية المنفِّذة، مع التنسيق الكامل مع وزارات الأوقاف والمؤسسات الوقفية.
12. تطوير البنية الرقمية لجمع الزكاة وإدارتها، وربط الصناديق عبر أنظمة معلومات مركزية، لمنع الازدواجية وضمان عدالة التوزيع.
13. تشجيع إنشاء صناديق زكاة تنموية وصناديق متخصصة (كريادة الأعمال)، ووحدات للابتكار والتجريب
في العمل الزكوي.

رابعًا: الصرف التنموي والتمكين والاستدامة
14. إعادة توجيه العمل الزكوي المؤسسي نحو البرامج التمكينية المستدامة، التي تنقل المستحق من الإعالة إلى الإنتاج، مع ربط التمويل بالتأهيل والمتابعة.
15. اعتماد مفهوم الفقر متعدد الأبعاد إطارًا مرجعيًا في تحديد الاستحقاق وتوجيه المصارف، بما يحفظ كرامة الإنسان ويحقق المقاصد الشرعية.
16. وضع خطط توزيع لأموال الزكاة وفق فقه الأولويات، وبالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة لرصد مؤشرات الفقر والبطالة وتحديد المستحقين بدقة.
17. استثمار فوائض أموال الزكاة – عند تحقق الاكتفاء – في مشاريع خدمية وتنموية منخفضة المخاطر لصالح المستحقين، ضمن ضوابط شرعية واضحة.
18. تعزيز التكامل بين صناديق الزكاة، والمصارف الإسلامية، ومؤسسات القرض الحسن، والأوقاف، لتنفيذ مشاريع مكافحة الفقر والبطالة.
19. توحيد المرجعية المعيارية للمكاييل والموازين الشرعية، وربط المقادير الفقهية الثابتة بالموازين الحديثة، وضبط الخطاب التعليمي والفتاوى التطبيقية
يؤكد المشاركون أن هذه التوصيات تمثل خارطة طريق عملية للانتقال بالزكاة من الجهد الفردي المتفرق إلى العمل المؤسسي المستدام، بما يحقق مقاصد الشريعة في العدالة، والتمكين، وبناء المجتمعات المتماسكة، ويجعل الزكاة رافعة حضارية للتنمية والأمن الاجتماعي.
شكر
وفي النهاية: يرفع المشاركون الشكر الجزيل لسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان حفظه الله، وإلى سماحة مفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي ولرئيس مجلس أمناء صندوق الزكاة في لبنان، القنصل الأستاذ محمد إبراهيم الجوزو, على إشرافهم وتوجيهاتهم لهذا المؤتمر، كما تتقدم بخالص الشكر لدار الفتوى ومؤسساتها ولأزهر البقاع ومركز البحث العلمي الذي نظم هذا المؤتمر، وكل الشكر والعرفان للفرق واللجان التي سهرت الأيام والليالي حتى خرج المؤتمر بهذه الحلة الباهرة. سائلين الله تعالى أن يحفظ لبنان وجميع الدول الإسلامية والعربية من كل مكروه وسوء، وأن يمن على أمتنا بالأمن والرخاء والاستقرار، وأن يحفظ هويتنا، ويصون كرامتنا، و يبقي عزنا، ويحمي أرضنا، و يزكي نفوسنا، و ينمي خيرنا، و يديم الخير علينا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

لمشاركة الرابط: