أعاد تقرير جديد صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت تسليط الضوء على ملف تمويل إعادة الإعمار في لبنان، معتبرًا أن التحدي لا يقتصر على تأمين الأموال اللازمة لمعالجة تداعيات الحرب الأخيرة، بل يمتد إلى قدرة الدولة على إدارة هذه الموارد بكفاءة وشفافية وتحويلها إلى مشاريع تنموية مستدامة.
ويأتي التقرير في وقت تتجاوز فيه التقديرات الأولية للخسائر والأضرار الناجمة عن الحرب 20 مليار دولار، فيما يواجه لبنان أزمة مالية واقتصادية خانقة، إلى جانب تعقيدات سياسية وإدارية تحدّ من فرص استقطاب التمويل الخارجي والاستفادة منه.
وأوضح التقرير أن كلفة الأضرار التي لحقت بالأصول المادية بلغت نحو 6.8 مليارات دولار، فيما قُدّرت الخسائر الاقتصادية بنحو 7.2 مليارات دولار، ليصل مجموع الخسائر والأضرار المباشرة وغير المباشرة إلى ما يعادل أكثر من 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، تُقدَّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار حتى عام 2030 بنحو 11 مليار دولار، موزعة بين الاحتياجات العاجلة والقصيرة والمتوسطة الأجل.
وأشار إلى أن الدولة اللبنانية فقدت منذ الانهيار المالي عام 2019 قدرتها على تمويل المشاريع الكبرى من مواردها الذاتية، وأصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على المنح والقروض الدولية، التي تبقى مشروطة بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية ومؤسساتية لا تزال تواجه عراقيل داخلية.
وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى إعلان وزير المالية ياسين جابر توافر نحو 200 مليون دولار يمكن استخدامها لتغطية الاحتياجات العاجلة بعد الحرب، إلا أنه اعتبر أن هذا المبلغ لا يشكل سوى نسبة محدودة جدًا من حجم الاحتياجات الفعلية، ويقتصر دوره على تمكين الدولة من التدخل السريع بانتظار تأمين تمويلات خارجية أكبر.
كما تناول التقرير مشروع قرض المساعدة الطارئة للبنان (LEAP) الذي أقره البنك الدولي في حزيران 2025 بقيمة 250 مليون دولار، ويهدف إلى إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية والبنى التحتية الأكثر تضررًا، مع إمكانية رفع سقف التمويل تدريجيًا إلى مليار دولار في حال توافرت الموارد واستوفيت الشروط المطلوبة. وأشار أيضًا إلى إمكانية إعادة توجيه نحو 100 مليون دولار من قروض قائمة لدى البنك الدولي لدعم أولويات التعافي.
في المقابل، أكد التقرير أن التمويل الأوروبي والفرنسي لا يزال ضمن إطار التمويل المحتمل، إذ تربط الدول المانحة أي دعم إضافي بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإنجاز الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإقرار القوانين المتعلقة بإصلاح المالية العامة والقطاع المصرفي وتعزيز الشفافية والحوكمة.
وصنّف التقرير مصادر التمويل إلى ثلاث فئات، تشمل تمويلًا متاحًا لتأمين السيولة الأولية، وتمويلًا يمكن تحريكه عبر القروض الطارئة، وتمويلًا محتملًا يبقى مرتبطًا باستعادة الثقة الداخلية والخارجية وتنفيذ الإصلاحات.
وفي موازاة ذلك، كشف التقرير أن لبنان يمتلك محفظة قروض من البنك الدولي بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار موزعة على 18 مشروعًا في قطاعات الطاقة والمياه والصحة والزراعة وإدارة النفايات والخدمات الأساسية، إلا أن الاستفادة منها لا تزال محدودة بسبب بطء الإجراءات الإدارية وتأخر المناقصات وتعقيدات التنفيذ وضعف المتابعة.
واستعاد التقرير تجربة قرض سد بسري الذي وافق عليه البنك الدولي عام 2016 بقيمة 474 مليون دولار قبل أن يُلغى عام 2020 نتيجة عدم استكمال المتطلبات القانونية والمؤسساتية والبيئية، معتبرًا أن هذه التجربة تعكس المخاطر التي قد تواجه مشاريع إعادة الإعمار إذا استمرت العقبات الإدارية والمؤسساتية.
وشدد التقرير على أن المشكلة لا تكمن فقط في تأمين التمويل، بل أيضًا في ضعف الجاهزية التنفيذية، حيث يؤدي تعدد الجهات الرسمية وتداخل الصلاحيات بين الوزارات والبلديات ومجلس الإنماء والإعمار إلى بطء اتخاذ القرار وتأخير تنفيذ المشاريع، فضلًا عن زيادة مخاطر هدر الموارد.
وحذر التقرير من الاعتماد المفرط على الاقتراض، موضحًا أن القروض الميسرة تبقى ديونًا تضاف إلى الدين العام، ما يستوجب توجيهها نحو مشاريع إنتاجية تحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا. كما أشار إلى أن صندوق النقد الدولي يواصل التأكيد على ضرورة تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية وإعادة هيكلة الدين العام والقطاع المصرفي كشرط أساسي لاستعادة الاستقرار المالي وجذب التمويل الدولي.
وخلص التقرير إلى أن نجاح إعادة الإعمار لن يُقاس بحجم الأموال التي سيتم الحصول عليها، بل بقدرة الدولة على استثمارها في إعادة بناء الاقتصاد وتعزيز القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الطاقة والمياه والزراعة والصناعة والخدمات العامة، بما يخلق فرص عمل ويحسن مستوى الخدمات للمواطنين.
وأكد أن لبنان يقف اليوم أمام مسارين متلازمين: الأول يتمثل في ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني لتعزيز ثقة المانحين، والثاني في تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية المطلوبة، معتبرًا أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس في حجم التعهدات الدولية، بل في إدارة هذه الأموال بكفاءة وشفافية وتحويلها إلى مشاريع تنموية تعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها، وتجعل إعادة الإعمار فرصة لإطلاق مسار اقتصادي جديد، لا مجرد ترميم لما دمرته الحرب
شريط الأخبار
- المركز العربي للأبحاث: 11 مليار دولار احتياجات إعادة الإعمار حتى 2030 والإصلاحات شرط للدعم الدولي
- حول جريمة قتل داخل فندق على طريق المطار… الضحية دخلت برفقة مجهول والقاتل غادر صباحًا!
- فقدان نصاب الجلسة التشريعية بعد انسحاب نواب القوات اللبنانية
- الرئيس الأرجنتيني لن يحضر نهائي كاس العالم.. والسبب غير متوقع
- لبنان بين منطق الدولة وفوضى الانفعال: الخلاف السياسي لا يبرر السقوط الأخلاقي
- كل المعاملات بمحل واحد…الوزارة تطلق منصة “دولتي”
- الدكتور فود محكوم غيابياً بالأشغال الشاقة المؤبدة… ولا يزال فارّاً من العدالة
- تخرج كلية التمريض 2026 في LAU
