
إكرام صعب
لم يكن مجلس النواب اللبناني يوماً مجرد قاعة للنقاش السياسي، بل كان يفترض أن يكون صورة مصغّرة عن الدولة وهيبتها، ومكاناً تُناقش فيه قضايا الناس بلغة المسؤولية والاحترام
لكن ما شهدته الجلسة النيابية اليوم أعاد طرح سؤال مؤلم: إلى أي مستوى يمكن أن ينحدر الخطاب السياسي قبل أن يفقد المجلس دوره كمنبر للديمقراطية؟
في بلدٍ رفع شبابه ومثقفوه اسمه عالياً في المحافل الدولية، وترك أبناؤه بصمات مشرّفة في العلم والثقافة والاقتصاد والفنون، بدا المشهد داخل المؤسسة التشريعية بعيداً كل البعد عن صورة لبنان التي يحاول كثيرون الحفاظ عليها
فبدلاً من أن تكون الكلمات أدوات للحوار والإقناع، تحولت في لحظات إلى سهام شخصية وعبارات جارحة لا تليق بمقام من يفترض أنهم يمثلون الشعب
عبارات من نوع “مستواك أوطى يا واطي” وغيرها من التراشق الكلامي الذي شهدته الجلسة، لم تكن مجرد انفعال عابر بين نواب يختلفون في الرأي، بل مؤشر خطير على تراجع مستوى التخاطب السياسي، وعلى انتقال الخلاف من مساحة الأفكار والبرامج إلى مساحة الإهانة الشخصية
الخلاف السياسي لا يبرر السقوط الأخلاقي
من الطبيعي أن تشهد البرلمانات في العالم سجالات حادة، وأن ترتفع الأصوات أحياناً تحت ضغط الملفات الكبرى والخلافات العميقة
لكن الفرق بين الحدة المقبولة والانفلات المرفوض يكمن في احترام الموقع العام واحترام عقل المواطن الذي يتابع ممثليه
النائب ليس شخصاً عادياً يتحدث في مجلس خاص، بل هو صاحب مسؤولية عامة، وكل كلمة تصدر عنه تصبح جزءاً من الخطاب السياسي والثقافة العام
وعندما تتحول قبة البرلمان إلى مساحة للشتائم والتجريح، فإن الضرر لا يقع على طرف سياسي دون آخر، بل يصيب صورة المؤسسة نفسها
فالمواطن اللبناني الذي يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية خانقة لا ينتظر من ممثليه مبارزات لفظية ولا تبادل الإهانات، بل ينتظر حلولاً وتشريعات ورؤية تنقذ ما تبقى من مؤسسات الدولة
منبر الدولة أم مسرح الانفعال؟
المشكلة ليست في وجود خلافات داخل المجلس، فالاختلاف هو جوهر العمل الديمقراطي، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الخلافات
فالديمقراطية لا تعني أن يقول السياسي ما يشاء بأي أسلوب، ولا تمنحه الحصانة من مسؤولية الكلمة
حين يصبح رفع الصوت بديلاً عن قوة الحجة، وحين تصبح الإهانة وسيلة لإسقاط الخصم، فهذا يعني أن السياسة فقدت جزءاً من معناها
فالقوة السياسية لا تُقاس بقدرة المسؤول على جرح الآخرين، بل بقدرته على الدفاع عن موقفه بالحجة والمنطق والاحترام
أي صورة نريد للبنان؟
لبنان الذي عرفه العالم ليس فقط لبنان الأزمات والانقسامات، بل لبنان الجامعات والمبدعين والأطباء والمهندسين والمثقفين الذين حملوا اسمه إلى كل القارات
لبنان الذي يفتخر بأبنائه الذين حققوا إنجازات عالمية لا يستحق أن تُختصر صورته بمشهد سجال نيابي ينحدر إلى لغة الشارع
المسؤولية اليوم لا تقع فقط على النواب الذين أطلقوا العبارات المسيئة، بل أيضاً على كل القوى السياسية التي تسمح بتحول الحياة العامة إلى مساحة للتوتر والابتذال
فالكلمة في السياسة ليست تفصيلاً، بل موقف وتاريخ ورسالة
اللبنانيون يستحقون خطاباً يليق بهم
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد تتناقض رؤاهم حول مستقبل بلدهم، لكنهم يتفقون على أن الدولة لا تُبنى بالإهانات، وأن المؤسسات لا تُحترم عندما يتحول ممثلوها إلى أسرى للانفعال
ما حدث اليوم في مجلس النواب ليس مجرد مشادة كلامية عابرة، بل جرس إنذار حول مستوى الخطاب العام الذي نريد أن نتركه للأجيال المقبلة
فإما أن تعود السياسة إلى لغة العقل والمسؤولية، وإما أن يستمر الانحدار حتى يصبح الصراخ بديلاً عن الدولة
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات الجارحة، بل إلى رجال ونساء يعرفون أن احترام المقام يبدأ من احترام الكلمة. فالشتيمة قد تكون سهلة، أما بناء وطن فيحتاج إلى أخلاق قبل أن يحتاج إلى شعارات
[email protected]
