يحتار الإنسان في هذه اللحظات العصيبة عندما تقصف مدينته وعاصمة وطنه بيروت ، وعندما يرى بناء ضخماً ينسفه عدوه نسفاً من أساساته ، فيتداعى ويسقط كوم دمار ورماد بثوان معدودة ، يحتار كيف يعبر عن تشظ قوي في داخله ، وعن تناقض غريب في نفسه.
هي جريمة نسف مبنى عملاق في وسط بيروت منذ ساعات أمام أعين الصحافة وكاميرات وسائل الإعلام والفضوليين الذين ينتظرون لحظة تنفيذ الإنذار”الجنتلمان” بتدمير المبنى من نذير الشؤم الذي “يخاف” على أرواح اللبنانيين فيقتلهم ولكن برحمة وبرفق!
يا الله ما هذا البلاء !
غريب هذا الشعور بالإهانة والعجز والدونية وقلة الحيلة ، أن تنتظر لحظة “إعدام” مبنى ، وتحشد لذلك آليات الدفاع المدني وسيارات الإطفاء والإسعاف ، ويقتصر الرد من البعض الذي يلتقط الصور للذكرى بالتكبير و … ” الله يذلك يا إسرائيل” .!
على العكس من ذلك تماماً ، فالإذلال والمهانة لاحقان بنا جميعاً ، ولا أحد من اللبنانيين ينجو منهما مع شبه تبلد في الشعور والإهانة لكرامة الإنسان اللبناني .
الإهانة العميقة أن يشعر اللبناني أنه ينفذ أوامر عدوه ب”الإبتعاد أكثر من 300 متر عن المبنى المستهدف ” بحسب تهديد المهدد الذي يخطط للمواطنين كيف يتسللون من الزواريب لتفادي القصف والصواريخ والمسيرات ، ويكاد ينظم السير في الطرق ليحل محل قوى الأمن الداخلي وشرطة البلديات في هذه “المهمة الكريهة” .
هناك أزمة أخلاقية حقيقية أن يحس الإنسان بأنه غير معني تماماً بالكارثة التي تحل بوطنه ومدينته ، ما زالت بعيدة نسبياً عن ” منطقته” وعن ” بيئته” ، وبالتالي هو ليس من المستهدفين (مبدئياً) ، ولذلك هو يعتبر نفسه من المحقين في تحميل وزر هذه الكارثة وتدمير بيروت لجهة قررت أن “تقاوم” بالنيابة عنه وعن مرجعية دينية خارجية ، وبالنيابة عن مواطنين معظمهم غير مقتنعين بهذه الحرب أساساً ولا بتبريراتها ، ويقتصر دوره على الهروب بعائلته كما القطة التي تنقل صغارها من زاوية الى أخرى تفادياً للخطر الذي قد يقضي عليها في أية لحظة .
يا الله ما هذا البلاء !
أصبح نسف الأبنية التي يعتبرها العدو “مشبوهة” عملاً روتينياً ، هي في الواقع عملية ” هدم تقني” بصاروخ أو أكثر يضرب أساسات المبنى فيذهب الى العدم في ثوان معدودة ، وكم من الجهد والمال والوقت والعرق والتعب بذله أناس حتى قام هذا المبنى ، وفي ثوان معدودة يصير كومة دمار وركام فتسرع فرق الإنقاذ مخاطرة بدمها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بينما يقف البعض على ظهرالمبنى المدمر ليأخذ صورة للذكرى !
يا الله ما هذا البلاء !
أصبحت حالنا شبيهة بلعبة “الروليت” الروسية ، أن تذهب الى عملك صباحاً ، لتحتار أي طريق تسلكه ، فيجب عليك أولا أن تحمل في رأسك تصوراً مسبقاً للمناطق والأحياء والإشارات والمراكز ، ومن تتوقع أنه من الممكن أن يسكن فيها من المستهدفين ثم تختار طريقك .. والله المسلم ؟
عاطف البعلبكي
*الصورة : تدمير مبنى الباشورة عن التلفزيون
