الوطن بيتٌ أبديّ… لا محطة عبور بقلم نزيه حمد

زجاجة الماء قد تُباع في السوبرماركت بألف ليرة، وفي المقهى بخمسة آلاف، وفي المطعم بعشرة آلاف، وفي الفندق بخمسة وعشرين ألفًا، وفي المطار بخمسة وثلاثين ألفًا.
الزجاجة هي نفسها، لم يتغيّر جوهرها ولا نقاؤها، لكن المكان تغيّر… فتغيّرت قيمتها.
هذه ليست مجرد قصة عن زجاجة ماء، بل صورة دقيقة عن واقع نعيشه أفرادًا ووطنًا.
حلمُ معظم شباب وشابات لبنان اليوم لم يعد وظيفة، ولا بيتًا، ولا مشروع حياة على أرضهم، بل حقيبة سفر. لا حبًّا بالغربة، ولا كرهًا للوطن، بل هروبًا من واقعٍ زرعناه نحن بأيدينا، حين أقنعنا أجيالًا كاملة أن الوطن محطة مؤقّتة، نتعلّم فيها، ثم نغادرها لننجح في مكان آخر. علّمناهم، صراحةً أو ضمنًا، أن النجاح خارج الحدود، وأن الفرص لا تُمنح هنا، وأن التعب في الوطن بلا مقابل، بينما في الخارج يُكافأ ويُقدَّر.
وفوق ذلك كلّه، جاء انعدام الشعور بالأمان والخوف الدائم من مستقبلٍ غامض ليُسرّعا قرار الرحيل. فحين لا يشعر الشاب أن غده مضمون، ولا أن تعبه سيحميه، ولا أن وطنه قادر على احتوائه وحمايته، يتحوّل السفر إلى خيارٍ اضطراري لا رغبة فيه ولا ترف. يسافرون وهم يدركون تمامًا ثمن الرحيل، ثمن الفراق عن الأهل، عن الأم والأب، عن البيت والذكريات، وعن دفء الانتماء، لكن الخوف على المستقبل كان أقسى من ألم الوداع، فاختاروا الغربة مجبرين، لا لأنهم لا يحبّون الوطن، بل لأنهم لم يعودوا يشعرون فيه بالأمان.
فلا عتب على من حلم بالسفر، ولا لوم على من اختار الرحيل. السؤال الحقيقي ليس لماذا غادروا، بل كيف تحوّل الوطن من بيتٍ دائم إلى محطة عبور؟
قيمة الإنسان لا تتغيّر، لكن المكان هو الذي يرفعها أو يخفضها، وحين تكون البيئة غير عادلة، تُهدر الطاقات وتُدفَع العقول إلى الهجرة. الوطن ليس فندقًا نغادره عند أول أزمة، ولا ذكرى جميلة نتغنّى بها من بعيد. الوطن بيت، والبيت إمّا أن يحتضن أبناءه وإمّا أن يدفعهم بعيدًا عنه.
إن أردنا أن نستعيد أبناءنا إلى وطنهم، فلا يكون ذلك بالشعارات ولا بالخطب، بل بإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان، وبوضع الكفاءة في مكانها الطبيعي، وبفتح الأبواب أمام من يستحق، لا أمام من يُجيد الوصول. وحين يختفي العدل من الوطن، لا يعود لوجود الإنسان فيه قيمة، ولا يبقى للانتماء معنى، ولا للأمل مكان.
وحين يشعر الإنسان أن له حقًا مصونًا، وفرصة عادلة، ومستقبلًا ممكنًا على أرضه، يتحوّل السفر من هروبٍ موجع إلى خيارٍ واعٍ، ويبقى الوطن الخيار الأوّل… لا الأخير.
نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية – الخليجية

لمشاركة الرابط: