تطالعنا يوميًا مشاهد قاسية لمعاناة نازحين في بيروت، هنا وهناك، سواء في المدينة الرياضية أو على الواجهة البحرية. مشهد يتكرر بطريقة موجعة: نساء بلا مراحيض تحفظ الحد الأدنى من الكرامة، أطفال عرضة للقوارض والأمراض وفق ما ترويه العائلات الموجودة في المدينة الرياضية، إضافة إلى انقطاع المياه أحيانًا وعدم توفير المأكولات الجيدة، علمًا أن الوزارة المعنية في لبنان تقوم بواجبها، بتوجيه من رئيس الحكومة، اللبنانية نواف سلام قدر الإمكان وفي ظل إمكانات محدودة جدًا.
في ظل كل هذه الشكاوى، ووسط منع هذه العائلات من التوجه جنوبًا من قبل مسؤولي حزب الله قبل أدرعي، يبقى السؤال: أين مسؤولو الحزب من رعاية البيئة التي أحبّتهم حتى الموت وقدّمت كل ما لديها من الغالي والنفيس، بدءًا بدماء شبابها وصولًا إلى منازلها وأرزاقها؟ ولماذا تُترك هذه البيئة اليوم وحيدة تواجه الذلّ والبرد والجوع والخوف؟
المشاهد التي تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد صور عابرة، بل تحولت إلى فضيحة إنسانية وأخلاقية. أطفال ينامون على الأرض، أمهات يفتشن عن مياه نظيفة، كبار سنّ بلا دواء ولا رعاية، وعائلات فقدت منازلها وأعمالها وأصبحت تنتظر “كرتونة إعاشة” أو وجبة باردة تسدّ رمق يوم طويل من القهر.
وسط كل ذلك، يلفت الانتباه انشغال نواب الحزب الأصفر بتوجيه التهديدات للشعب اللبناني وللدولة، بينما لا خطة واضحة ولا أدنى مساعدة حقيقية لمحبيهم، أسوة بشيخهم الذي يطلّ بخطابات عالية السقف فيما جمهوره ينام في العراء ويختبئ من الذل قبل الصواريخ. فهل باتت البيئة الحاضنة مجرد وقود يُستخدم عند الحاجة ثم يُترك لمصيره عند الكارثة؟
جدّيًا، لمن تُركت هذه العائلات؟ ولماذا كُتب عليها كل هذا الإذلال؟ ولماذا لا تبادر قيادات الحزب، التي طالما تحدّثت عن “الوفاء”، إلى تأمين الحد الأدنى من الرعاية والاهتمام لمن دفعت أثمان الحروب والسياسات والمواجهات؟
أليس من حق هذه الأمهات أن يسألن أين ذهب أبناؤهن؟ وأين ذهبت الوعود التي أُغرقت بها القرى والبلدات لسنوات طويلة؟ ألم يكن هؤلاء الناس أنفسهم من وقفوا خلف الحزب في أصعب الظروف؟ ألم يفتحوا بيوتهم ويقدّموا أبناءهم ويحتملوا العقوبات والعزلة والحروب؟ كيف يصبحون اليوم مجرد أرقام في مراكز إيواء تفتقد لأبسط شروط الحياة؟
اللافت أيضًا أن معظم الأصوات التي ترتفع دفاعًا عن “الكرامة والسيادة” تصمت أمام كرامة هؤلاء النازحين. لا نرى مؤتمرات صحافية عن أوضاعهم، ولا خطط إسكان واضحة، ولا مبادرات فعلية توازي حجم الخطابات النارية. وكأن المطلوب من هذه العائلات أن تصبر فقط، وأن تبتلع الإهانة بصمت، فيما القيادات منشغلة بحساباتها السياسية والإقليمية.
ثم ماذا عن الأطفال؟ أي مستقبل ينتظر طفلًا يرى أهله عاجزين عن تأمين مرحاض أو وجبة أو دواء؟ أي صورة ستبقى في ذاكرته عن الدولة، وعن الحزب، وعن المجتمع كله؟ نحن لا نتحدث عن مشهد عابر، بل عن جرح نفسي واجتماعي سيبقى طويلًا في ذاكرة جيل كامل.
والمؤلم أكثر أن كثيرين من هؤلاء الناس لا يجرؤون حتى على رفع صوتهم خوفًا من التخوين أو الاتهام أو الضغط الاجتماعي. البعض يهمس بمعاناته بصعوبة، وآخرون يخفون غضبهم كي لا يُقال إنهم “طعنوا المقاومة”. لكن الحقيقة أن أكبر طعنة هي ترك الناس بهذا الشكل، بلا حماية اجتماعية ولا احتضان إنساني ولا حتى كلمة صادقة تعترف بحجم المأساة.
لبنان اليوم لا يحتاج مزيدًا من الخطابات الخشبية ولا من استعراض القوة، بل يحتاج من يقف إلى جانب الناس فعلًا. يحتاج من يسمع صرخة الأم التي تبحث عن حليب لطفلها، لا من يرفع الشعارات فوق رؤوس الجائعين. فالكرامة تبدأ من حماية الإنسان، لا من استخدامه في المعارك ثم تركه يواجه مصيره وحيدًا.
ويبقى السؤال الذي يردده كثيرون بصوت خافت: إذا كانت هذه هي حال البيئة التي أحبّت الحزب وقدّمت له كل شيء، فكيف ستكون حال من يختلف معه؟؟
