تروي الأحداث القريبة أن سيدةً لبنانية كانت تقيم في الولايات المتّحدة تقدّمت ذات يوم من الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، في منتصف خمسينات القرن الماضي أثناء مروره في بلدتها، حاملةً في يدها مرطبان من مربّى التفّاح وقالت له: “إنه من لبنان سيدي الرئيس”. فابتسم وتقبّله منها شاكرًا.
حدث ذلك بسنوات قليلة قبل أن يأمر الرئيس آيزنهاور -خارج تأثير المربّى اللبناني بالطبع- وانسجامًا مع مبدأ المصلحة الحيوية الأميركية، بإنزال مشاة البحرية الأميركية على شاطئ الأوزاعي قرب بيروت، بناءً على طلب الرئيس كميل شمعون الذي كان يواجه يومذاك اضطرابات ما سُمي بـ”أحداث” ١٩٥٨. وكان لبنان انضمّ إلى مبدأ آيزنهاور الذي نشأ لحماية بلدان الشرق الأوسط من احتمال أخطار الشيوعية والاتّحاد السوفياتي. وصودف أيضًا ذلك الحدث وقوع الانقلاب العراقي الذي أطاح بالملكية العراقية.
وبعد أربع سنوات من ذلك الحدث، روى التاريخ أيضًا أن نائب الرئيس الأميركي ليندون جونسون قام في شهر آب ١٩٦٢ بزيارة لبنان، فاستقبله الرئيس فؤاد شهاب في مقرّه الصيفي بعجلتون، وجرى اللقاء بصورةٍ إيجابية وطبيعية. ولكن الحاضرين يومذاك فوجؤوا بأن الرئيس شهاب توقّف في مرافقته ضيفه عند عتبة المكتب وليس إلى أبعد مكتفيًا بالقول: وداعًا حضرة نائب الرئيس. وتولّى كبار الموظّفين مرافقة جونسون إلى الخارج. وإذ أدرك فؤاد شهاب تساؤلات الحاضرين قال لهم: لو كان الضيف الرئيس الأميركي لكنت رافقته إلى الخارج.
حدث ذلك مع العلم كما يقول تاريخ الأحداث إن انتخاب اللواء فؤاد شهاب في صيف ١٩٥٨ تمّ بناءً على اتّفاقٍ بين الموفد الأميركي آنذاك روبرت مورفي والرئيس جمال عبد الناصر الذي عندما التقى فيما بعد الرئيس فؤاد شهاب على الحدود اللبنانية السورية -زمن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا وذلك في آذار ١٩٥٩ في خيمة الصفيح على الحدود تمامًا- لم يتقدّم نحوه عند هبوط الطائرة. وعندما لفته مرافقه أحمد الحاج إلى ذلك قال له: إنه بكباشي وأنا لواء.
هكذا كان فؤاد شهاب. وهكذا كان لبنان. ليندون جونسون أصبح رئيسًا بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي. وفؤاد شهاب أكمل ولايته ولم يقبل بالتجديد، ورفض إعادة انتخابه عام ١٩٧٠.
هكذا كان لبنان في ستينات القرن الماضي وهي الحقبة الاستقلالية الوحيدة التي برهنت فيها التجربة اللبنانية بأنها قابلة للنجاح وذلك عندما كان هنالك مسؤولون كبار يعرفون باسم القضية المؤتمنون عليها كيف يقدّمون لبنان إلى العالم وإلى أميركا تحديدًا لأن لبنان كان ولا يزال قضية دائمة.
من ذلك الزمن، زمن التدخّل الأميركي العسكري الأول، إلى موعد التقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس دونالد ترامب، بقيت أميركا صاحبة القرار الأول في العالم، وبقي لبنان متأرجحًا بين الساحة الخلفية لصراعات المنطقة، وبين نظرية البابا يوحنا بولس الثاني بأنه رسالة للشرق كما للغرب.
لأن لبنان لم يصل حتى الآن، حتى موعد التقاء الرئيس جوزاف عون مع الرئيس دونالد ترامب منذ أيام إلى تبني خصائص التجربة اللبنانية، كما حدث مع فرنسا والفاتيكان وسائر دول أوروبا وحتى العربية منها، بأن ذلك البلد الشرق أوسطي الصغير الذي لا تتجاوز مساحته مساحة ولاية أميركية صغيرة، تجدر حمايته وصون تجربته الرائدة في الشرق وفي العالم، كنموذج للحرية.
وهكذا كانت المحطّة العسكرية الثانية عام ١٩٨٢ في عهد الرئيس رونالد ريغن إذ تدخّل الجيش الأميركي في لبنان كجزءٍ من قوّة حفظ دولية متعددة الجنسيات، بقوّة نحو ٨٠٠ جندي من مشاة البحرية، وذلك في أواخر شهر آب عندما كان الهدف الأساسي هو الإشراف على الإجلاء الآمن لمقاتلي منظّمة التحرير الفلسطينية المحاصرين في بيروت. ومن المعروف أن انفجارًا طال مقرّ المارينز في ٢٣ تشرين الأول ١٩٨٣ وأثمر عن مقتل ٢٤١ جنديًا أميركيًا، وكذلك عن تفجير مقر القوات الفرنسية المعروف باسم “دراكار”، الذي أسفر عن مقتل ٥٨ جنديًا فرنسيًا.
ولكن كان قد سبق ذلك اشتراك الولايات المتّحدة بشكلٍ مباشر في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل التي أدّت إلى ما يُعرف باتّفاق ١٧ أيار ١٩٨٣.
ويدرك الرئيس جوزاف عون، إذا ما فُتح موضوع دخول الجيش السوري الحالي إلى لبنان، أن وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كسينجر، صاحب نظرية حصر النار في لبنان أثناء سنوات الحروب وليس إطفائها هو من فتح الباب عندما كتب في مذكّراته “سنوات التجدّد” الصادر عام ١٩٩٩ جاء فيها: “أوزعت إلى سفيرنا في دمشق ريشارد مورفي بنقل تمنياتنا إلى الجنرال السوري حكمت الشهاب، رئيس الأركان، بأن السوريين بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون من أجل التدخّل في سبيل وقف إطلاق النار والتحضير لتسوية سياسية…”
تغيّرت الأحوال جذريًا. أخطار الوجود الفلسطيني ووضع الجنوب. واليوم بقيَ الجنوب ذاته مع أخطاره وأخطار لبنان ولكن مع عنصرٍ بديل هو الذراع الإيراني المتمثّل بحزب الله اللبناني، وماذا بإمكان الدولة أن تفعل، الدولة الحالية غير القادرة على حسم ذلك الوجود المسلح الذي طال ويطاول إسرائيل، وقوى الدولة اللبنانية غير قادرة على حسم الموضوع لجهة حصرية السيادة وحصرية السلاح بالتالي.
ذلك هو كلّ الموضوع الحالي، الذي يجد جذوره في العوامل التي أدّت إلى انتخاب قائد الجيش جوزاف عون، بتأييد من واشنطن وباريس والفاتيكان ورياض.
انتخب العماد جوزاف عون لأنه قائد للجيش بالهيبة المفترضة له والتي سينقلها معه إلى المقرّ الرئاسي في بعبدا، بصرف النظر عن الصلاحيات الرئاسية التي كما هو معروف تقلّصت مع اتّفاق الطائف، ولكن رئيس الجمهورية بقيَ رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن وحامي الدستور، وهذه صفات يُفترض أن تُفسر بالمعنى الذي يعطيها مفعولًا، بالإضافة إلى أحكام المادة ٥٢ التي تنيط به صلاحية التفاوض.
كان اللقاء محطّةً تاريخية. فقد ظهر في الاجتماع العلني في اللقاء المميّز، أن الرئيس ترامب كان متفهّمًا وواعدًا وأنه في حواره الإيجابي مع الرئيس العون، بدت الأمور كأنها متّجهة ناحية علاقات جديدة وإيجابية إذ ظهر في الحوار الإعلامي أن الرئيس الأميركي ملمّ بمختلف جوانب القضية اللبنانية الحالية، وأن ترامب يعرف لبنان أقلّه من خلال حفيده اللبناني ومن خلال مستشاره ووالد صهره مسعد بولس الذي لا تزال والدته ماري تيريز بولس مقيمة في قريتها اللبنانية كفرعقا. ويعرف وهو رجل الأعمال البارز العديد من اللبنانيين الذين حقّقوا نجاحات باهرة في أميركا، ومنهم السفيران توم بارّاك وميشال عيسى اللبنانيي الأصل رغم الفارق في الإداء بينهما.
لبنان بحاجة إلى أميركا، بحاجة إلى الغرب، حتى يبقى ذلك الضوء على ملتقى الحضارات والقارات. وحده، لأنه نشأ على الحرّية قبل الكيان الحرّ، من يمثّل ذلك النموذج، الذي من المفترض أن تقدّره أميركا أكبر قوّة في العالم اليوم خارج حدود المصالح الحيوية.
الدكتور داود الصايغ
