إكرام صعب
أحياناً، لا تكون الصحافة مجرد خبر يُنشر وينتهي أثره عند حدود الشاشة. بل يتحوّل الخبر إلى خيط أمل، وإلى طريق يعيد إنساناً تائهاً تحت الغارات الجوية إلى بيته.
يسعدني، كناشرة لموقع nextlb وكإعلامية تالياً ، أن أشير إلى إن موقع NextLB كان، هذه المرة، جزءاً من قصة إنسانية انتهت بلقاء طالانتظاره
قمر، الشابة السورية التي فُقدت من منزل عائلتها في بكفيا، عادت اليوم إلى حضن والدتها وشقيقها، بعد 6 أشهر من الضياع.
بدأت الحكاية قبل نحو ثلاثة أشهر، عندما نشرت على موقع nextlb تعميماً صادراً عن قوى الأمن الداخلي حول العثور على فتاة عند الحدود الجنوبية، في منطقة قريبة من البياضة – الناقورة.
كانت الفتاة تسير وحيدة في منطقة خطرة، وسط ظروف الحرب والإخلاءات، وهي تعاني فقداناً لجزء من ذاكرتها وحالة نفسية صعبة، ولم تكن قادرة على إعطاء معلومات كافية تقود إلى عائلتها.
عثر عليها عناصر من قوات الطوارئ الدولية، وسُلّمت إلى الجيش اللبناني، الذي أحالها بدوره إلى مخفر القليلة. جرت محاولات لمعرفة هويتها والوصول إلى ذويها، لكن ظروف الحرب وصعوبة التواصل وعدم العثور على أهلها حالت دون ذلك.
وبعد تعذّر تسليمها إلى إحدى الجمعيات الأهلية، وبناءً على قرار قضائي، اضطر المخفر إلى تنفيذ الإجراءات القانونية وإخلاء سبيلها.
وفي اليوم نفسه، وفي ساعة متأخرة من الليل، تلقيت اتصالاً هاتفياً من شاب قال لي:
«نشرتوا على موقعكم خبراً عن وجود أختي في جنوب لبنان… هذه أختي. أنا وأمي نبحث عنها منذ أشهر. ساعديني لأصل إليها، فأنا لا أعرف ماذا أفعل، وأوراقي القانونية انتهت صلاحيتها».
لم أتردد.
بدأت الاتصالات في وقت متأخر من الليل، من فصيلة صور إلى فصيلة القليلة، وصولاً إلى الرائد المسؤول هناك، الذي أبلغني أن الفتاة أُطلق سراحها بعدما تعذّر إيجاد جهة أهلية تستلمها بسبب ظروف الحرب، ووفقاً للإجراءات والقرار القضائي المتخذ.
في تلك اللحظة، كان الحزن مشتركاً بيني وبين الرائد.
فالفتاة التي كنا نظن أننا اقتربنا من إيصالها إلى عائلتها، عادت لتتيه من جديد.
وانتهت تلك الليلة، لكن الحكاية لم تنتهِ.
اليوم، وبعد نحو ثلاثة أشهر، وصلني تعميم جديد من قوى الأمن الداخلي عن العثور على فتاة مفقودة لا تعرف سوى اسمها، وكانت موجودة في مخفر أنطلياس.
وهنا حدثت المصادفة التي أعادت فتح الباب.
بادر الرائد المسؤول في فصيلة القليلة إلى الاتصال بي، بحثاً عن رقم شقيق قمر، الذي كان يبلغ يومها 17 عاماً.
فتحت هاتفي، وبدأت أبحث بين الأرقام التي احتفظت بها منذ تلك الليلة.
وجدت الرقم…
اتصلت، ثم بادرت إلى التواصل مع العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، وطلبت منهم إبلاغ مخفر أنطلياس بأن عائلة الفتاة التي عُثر عليها قد تكون هي عائلة قمر، وأننا نملك وسيلة للوصول إلى شقيقها.
وبعد التحقق من الهوية والأوراق والمعلومات، بدأت الإجراءات القانونية.
وكان لشقيقها خوف مفهوم من تبعات انتهاء أوراقه القانونية، لكن التشجيع والمتابعة ساعداه على إتمام الإجراءات المطلوبة، إلى أن تمكّن، أخيراً، من تسلّم شقيقته.
قمر عادت إلى أهلها.
قمر، الشابة السورية التي تعيش مع والدتها وشقيقها في بكفيا، غادرت منزلها ذات مساء، وضاعت في الأراضي اللبنانية، لتجد نفسها في جنوب لبنان، وسط الحرب، والحدود، وأصوات المسيرات، من دون أن تدرك تماماً ما يدور حولها.
أما والدتها، فكانت تعيش على الانتظار.
واليوم، حين عادت قمر، رفعت أمها يديها إلى السماء شاكرة ربها، ولملمت دمعتها التي لم تتوقف طوال أشهر طويلة، وهي تستعيد ابنتها التي ظلت تبحث عنها وتنتظر عودتها.
قد يقول البعض إن هذه مجرد قصة فتاة عادت إلى عائلتها.
لكن بالنسبة إلى إعلامية اختارت أن تبحث عن الحقيقة في مهنة المتاعب، فهذا النوع من الأخبار هو الذي يعطي للمهنة معناها الحقيقي.
فالصحافي/ة لا يكتب فقط عن الناس، بل يستطيع أحياناً أن يكون جزءاً من الطريق الذي يعيدهم إلى بعضهم.
وفي هذه القصة تحديداً، لا بد من الإشارة إلى التنسيق المهني والإنساني الممتاز مع المعنيين في قوى الأمن الداخلي، وإلى التعاون الذي حصل بين مختلف الجهات الأمنية، والذي أثبت أن التواصل حين يكون قائماً على المسؤولية والجدية يمكن أن يصنع فرقاً حقيقياً في حياة إنسان.
لم تكن المسألة سبقاً صحافياً، ولا خبراً عابراً.
كانت قمر.
وكانت أم تنتظر ابنتها.
وكان شقيق في السابعة عشرة يبحث عن أخته ولا يعرف كيف يصل إليها.
وكان هناك خبر نُشر في الوقت المناسب، ورجل أمن لم ينسَ قصة الفتاة بعد أشهر، ورقم هاتف بقي محفوظاً في هاتفي، وتنسيق جعل الخيوط المتباعدة تلتقي أخيراً.
ليتنا نبني العلاقات لتكون جسوراً، لا جدراناً.
ليتنا نستخدم ما تمنحنا إياه المهنة لنقرّب المسافات بين الناس، لا لنزيدها.
الليلة، سأخلد إلى النوم مرتاحة القلب.
لأن قمر عادت إلى حضن أمها.
ولأن خبراً بدأ من الناقورة، وعبر بيروت، وانتهى في أنطلياس، استطاع أن يعيد فتاة تائهة إلى المكان الذي يجب أن تكون فيه: بيتها، وبين أهلها.
ولأنني، ببساطة، أؤمن أن أجمل ما يمكن أن تفعله الصحافة هو أن تترك وراءها… أثراً إنسانياً
وشكر خاص لرئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العميد جوزيف مسلم
شكر خاص لآمر فصيلة مخفر القليلة الرائد جوزيف شماعي وللقيمين على مخفر انطلياس
[email protected]
شريط الأخبار
- من الناقورة إلى أحضان أمها…” nextlb “يعيد “قمر”إلى بيتها بعد أشهر من الضياع
- وفاة مفاجئة لابنة نجلاء فتحي الوحيدة
- فواتير كهرباء لبنان تشعل غضب المواطنين
- أمطار غزيرة في الهرمل وعكار وتخوف من ارتفاع منسوب نهر العاصي
- إفتتاح “مهرجان بيروت موتور سبورتس” في بيروت هول سن الفيل
- إلغاء حفل زفاف بسبب الأمطار ينتهي بخلاف بين العروسين
- انطلاق معرض بيروت العربي الدولي للكتاب بنسخته الـ67 برعاية نواف سلام
- ما سرّ منشأة علي الطاهر؟ مخزن أسلحة أم خزينة أموال؟
