في بلد أنهكته الحروب والأزمات والانهيارات المتلاحقة، كان من المفترض أن تكون حماية حياة الناس أولوية مطلقة. لكن ما نشهده يومياً على طرقات بيروت ومختلف المناطق اللبنانية يوحي بأن حياة المواطنين باتت متروكة لمصيرها، وأن الفوضى التي تحكم قطاع الدراجات النارية تحولت إلى خطر حقيقي يهدد المجتمع بأكمله.
لم تعد المسألة مجرد مخالفات سير عابرة أو تجاوزات فردية هنا وهناك. نحن أمام ظاهرة متفلتة تكبر يوماً بعد يوم في ظل غياب شبه كامل للرقابة، وصمت رسمي يثير الاستغراب. آلاف الدراجات تجوب الطرقات بلا حسيب أو رقيب، وكأن قوانين السير لم تعد موجودة أصلاً.
يكفي أن يقف أي مواطن على أحد تقاطعات بيروت لبضع دقائق ليرى حجم الكارثة. دراجات تعكس السير بلا تردد، وأخرى تتنقل بين السيارات بطريقة أشبه بالمغامرات الانتحارية، وسائقون يتجاوزون الإشارات الحمراء وكأنها غير موجودة، فيما يتحول الانتظار عند الضوء الأحمر إلى مادة للسخرية بالنسبة لمن لا يزال يحترم القانون.
الأخطر من ذلك هو المشهد الذي بات مألوفاً إلى درجة مرعبة: عائلات كاملة على دراجة نارية واحدة. أب يقود، وأم تجلس خلفه، وبينهما طفل أو طفلان، وأحياناً رضيع بالكاد يستطيع تثبيت رأسه. لا خوذات، لا وسائل حماية، ولا أي اعتبار لأبسط معايير السلامة. وكأن حياة الأطفال أصبحت رهينة لحسن الحظ أو للقدر.
في معظم دول العالم، يشكل عدم ارتداء الخوذة مخالفة جسيمة تستوجب العقوبة الفورية، لأنها الوسيلة الأساسية لحماية الرأس وتقليل الإصابات القاتلة. أما في لبنان، فقد أصبح منظر السائق من دون خوذة أمراً عادياً، بل إن الخوذة باتت الاستثناء لا القاعدة. والنتيجة واضحة في أقسام الطوارئ بالمستشفيات التي تستقبل بشكل شبه يومي إصابات خطيرة في الرأس والجمجمة والوجه نتيجة حوادث كان يمكن تجنب جزء كبير من آثارها لو تم الالتزام بأبسط قواعد السلامة.
الأطباء والممرضون في أقسام الطوارئ يعرفون حجم المأساة أكثر من غيرهم. إصابات متكررة، عمليات جراحية معقدة، شباب في مقتبل العمر يفقدون حياتهم أو يصابون بإعاقات دائمة بسبب لحظة تهور أو نتيجة غياب الرقابة. إنها خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية يدفع ثمنها الجميع.
ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الملف يحتل أي أولوية لدى الجهات المعنية. أين وزارة الداخلية؟ أين الخطط المعلنة لضبط المخالفات؟ أين الحملات المستمرة التي يفترض أن تفرض احترام القانون وتحمي أرواح الناس؟ ولماذا يبدو هذا الملف وكأنه خارج دائرة الاهتمام رغم أن نتائجه أصبحت ملموسة يومياً؟
المفارقة أن اللبنانيين يشاهدون دوريات تسجل محاضر ضبط للسيارات في بعض المناطق، فيما تستمر آلاف المخالفات الخطيرة التي ترتكبها الدراجات النارية أمام أعين الجميع من دون أي معالجة جدية. وكأن المطلوب التعايش مع هذا الواقع باعتباره أمراً طبيعياً، رغم أن عدد الضحايا والإصابات يتزايد باستمرار.
لقد تحولت القيادة في شوارع بيروت إلى تجربة مرهقة ومخيفة. السائق لم يعد منشغلاً فقط بالسيارات من حوله، بل بات مضطراً لمراقبة دراجات قد تظهر فجأة من أي اتجاه، أو تعكس السير، أو تمر بين المركبات بسرعة كبيرة. مشهد يذكّر أحياناً بألعاب مدن الملاهي أكثر مما يشبه حركة سير في عاصمة يفترض أنها تخضع لقوانين وأنظمة.
لا أحد يطالب بمنع الدراجات النارية، فهي وسيلة نقل مهمة لكثير من المواطنين، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. لكن الفرق كبير بين تنظيم هذا القطاع وبين تركه في حالة انفلات كاملة تهدد حياة السائقين والركاب والمشاة على حد سواء.
المطلوب ليس بيانات ولا وعوداً موسمية، بل خطة فعلية تشمل تسجيل الدراجات غير القانونية، وتشديد الرقابة، وفرض ارتداء الخوذة، ومنع تحميل أعداد تفوق المسموح، وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء. فالدولة التي تعجز عن تنظيم السير تعجز عملياً عن حماية أبسط حقوق مواطنيها: الحق في الحياة.
حتى ذلك الحين، سيبقى اللبنانيون يخرجون يومياً إلى الطرقات وهم يدركون أن الخطر لا يأتي فقط من الأزمات والحروب. ففي بلد تُترك فيه الفوضى لتتوسع بلا رادع، قد ينجو الإنسان من غارة أو مواجهة، لكنه قد يفقد حياته عند أول تقاطع أو إشارة ضوئية في شوارع بيروت.“في لبنان، لم يعد الخوف يقتصر على صوت الغارات أو أصوات الانفجارات. بات يكفي أن تخرج إلى الشارع لتدرك أن الطريق نفسها قد تتحول إلى ساحة خطر مفتوحة، في ظل دولة غائبة ووزارة داخلية تتعامل مع فوضى الدراجات النارية وكأنها قدر لا يمكن مواجهته.
فإلى متى يبقى هذا النزيف مستمراً؟ وإلى متى تبقى الأرواح مجرد أرقام تضاف إلى سجلات الحوادث فيما يواصل المسؤولون إدارة ظهورهم لهذه الكارثة المتفاقمة

