الإعلامي عاطف البعلبكي حاضَرَ عن ” تاريخ المنارة من العصر الروماني الى اليوم “( الجزء الثاني – المدافن المسيحية )

خاص – nextlb

تحت عنوان ” تاريخ المنارة من العصر الروماني الى اليوم ” القى الإعلامي والباحث في التراث عاطف علي البعلبكي محاضرة يوم الأحد الماضي في قاعة دار طيبة المنارة – البقاع الغربي  برعاية موقع nextlb.com وبالتعاون مع نادي الوحدة – المنارة ، وقدم للمحاضرة الدكتور أسعد صدقة .

عرض الجزء الثاني من المحاضرة لتاريخ المنارة (حمّارة تاريخياً Hammara) في الحقبة المسيحية التي تلت الحقبة الرومانية ، ومعالمها الواضحة كانت مع بداية القرن الخامس بعد المسيح مؤرخة بمدفنين مسيحيين وجدا في أسفل البلدة .

وكان حضر المحاضرة وجوه ثقافية واجتماعية من أهالي بلدة المنارة والجوار ودامت لأكثر من ساعة تخللها عرض مهم  لمجموعة من الصور التاريخية للبلدة من أرشيف المديرية العامة للآثار ، تلاها نقاش ثقافي وتاريخي شارك فيه الحضور .

واختتمت المحاضرة بتقديم المُحاضر صوراً تذكارية تاريخية من آثار البلدة لبعض المشاركين في المحاضرة تنشر للمرة الأولى .

وفي تفاصيل الجزء الثاني  :

كانت بلدة حمّارة Hammara مأهولة من القدم ، وتمتد على رقعة كبيرة على ما يبدو من توزع الآثار ، وتصل حسب الروايات التاريخية الى حدود بلدة كفرزبد شمالاً، وعنجر ضمناً ، ولكن ليس بالضروة في نفس مكانها الحالي ، وكانت الأبنية الحجرية موزعة في مواقع على أرض البلدة حاليا مثل عين سطية و دار الميس وبركة سعديا شمالاً وغرباً .

وعلى مر الزمن خضعت هذه المعالم للحفر والتخريب بحثاً عن آثار ومسكوكات ذهبية حتى السنوات الماضية والى اليوم ، في أماكن ذكرها الأجداد ، وأوضحوا أن بقايا أساسات حجرية ، وأحياء مربعة الشكل كانت في العشرينيات من القرن الماضي  في القطاع الغربي من أرض البلدة ، وقد تم استعمال حجارتها في بناء بيوت أخرى في أمكنة متفرقة ، وهي كانت أقرب ل “الحزام المائي” الذي تشكله العيون المائية وأقدمها “عين سطيه ” التي تم نقل  نبعها بالأنابيب المعدنية في مرحلة متأخرة الى “عين الصوان” التي اندثرت حديثا في وسط سهل البلدة ، و”عين القنا العتيقة” و”عين أبو حلفين” و”الفوقا” وانتهاء ب ” عين سفراح” .

غطاء قبر مسيحي نقل الى قلعة عنجر عام 1974

قبر مسيحي تاريخي

ومن الشواهد التاريخية التي لا يقل عمرها عن 1500 عام ، ما وجد في عام 1974 وهو قبر أثري كان تحت أساسات منزل المرحوم سليمان خالد أبو شاهين ، وكان مسقوفاً بغطاء عملاق كما المدرعة ومكسوراً من احدى زواياه منذ مئات السنين  .

نقش على عطاء القبر من الداخل صليب وخطوط هندسية بإتجاه رأس المدفون ونحت في أحد طرفيه رأس بشري بارز من جهة أعلى المدفن .

 وبحسب شهود عيان احتوى القبر على عدد كبير من الجماجم البشرية الضخمة نسبياً بالمقارنة مع العظام البشرية الحالية ، وظهرت بالقرب منه حجارة لقناطر ضخمة ، دلت على  بناء أثري كان قائماً تحت الجزء السفلي للقرية .

غطاء القبر في قلعة عنجر

وكشف مصدر في المديرية العامة للآثار بأن غطاء القبر نقل الى قلعة عنجر بغية إقامة متحف بقاعي ، ولا يزال الغطاء ملقى في الهواء مكشوفاً منذ يوم حملته الرافعة من تحت أساسات  المنزل المذكور في عام 1974.

وجد المدفن بعمق أكثر من مترين تحت مستوى الأرض ، وقدر علماء الآثار عمره  بما بين 450 و 500 عام بعد المسيح ، وهو عمر تقريبي  مشابه لعمر المغارة – المدفن  التي وجدت بعد عام من اكتشاف القبر سنة 1975 في موقع مجاور نحو الجنوب بعشرات الأمتار .

نقوش على غطاء القبر من الداخل

“صنعه ناسيوس “

وتتابعت الإكتشافات بعد تمدد بناء القرية نزولاً بإتجاه سهلها وجنوبها، وعند بداية الحرب الأهلية في عام 1975 كشفت بالقرب من القبر السابق  مغارة – مدفن مع باب أثري منقوش ، فأوقفت المديرية العامة للآثار أعمال البناء ، وحضر فريق المديرية بقيادة  عالم الآثار الراحل شاكر الغضبان الذي صار في ما بعد مديراً عاماً للآثار بالوكالة ، والذي وصف عملية الإكتشاف ونقل المكتشفات الى قلعة عنجر ومتحف بيروت .

وتم بناء “سقالة “ثلاثية خشبية  ، وتركيب رافعة لرفع الحجر الأثري الذي كان يقفل باب المغارة بشكل جارور عامودي مع فرزات منحوته ومقابض للسحب ، وكان طول الحجر – بحسب الغضبان- 125 سم والعرض 100 سم  والسماكة 24 سم ، والوزن حوالي 2 طن .

المغارة – المدفن والباب التاريخي !

كانت المغارة كناية عن مكعب صخري بحجم غرفة صغيرة 3×3 م بسقف منخفض حفرت فيها ثلاث قناطر متقابلة مع باب للدخول بقنطرة صغيرة ودرجتين ، في جوف كل قنطرة منها كان قبر مفرد .

وكان من المنطقي أخد الباب الى المتحف الوطني ليعرض فيه للمشاهدة ، ولكنه نقل الى قلعة عنجر حيث من المتوقع أن يكون ما زال محفوظاً في مستودعاتها .

و المهم في الأمر ليس فقط بعض الحلي المعدنية على شكل أفاع من البرونز والنحاس المزخرف التي وجدت داخل المدفن ، بل ما كتب من نقوش ورسوم وتأريخ قام العالم الغضبان بشرح معانيها وتصويرها صوراً معقولة الوضوح بالأبيض والأسود بالنسبة لحقبة السبعينيات  أرفقت مع التحقيق

فقد نقش على الباب رسم لسيد وسيدة يحيط بهما صليبان متوجان ، مع نقوش متنوعة من الزهور والطعام وأشكال هندسية .

 ومن حفر هذا المدفن كان قد دون الإسم والتاريخ على الباب وكتب عليه في سطرين اثنين منفصلين : في الأعلى بحروف محفورة بقياس 7 سم  ” عام 513 مسيحية” وفي والوسط  حفر عبارة  ” صنعه  ناسيوس ” بحروف أصغر  4 سم  .

وتصويرها حرفياً كالآتي :

ETOYC rlp   : “عام 513 مسيحية “

 NACIOCHPrACETO : ” صنعه ناسيوس “

لتصبح هكذا :”عام 513 مسيحية – صنعه ناسيوس”

ولاشك في أن هذا التوقيع لا يتعلق فقط بالباب بل بالعمل بأكمله ، وهذا يعني أيضًا غرفة القبر المربعة الشكل والقناطر الثلاث الداخلية مع القبور الثلاثة التي في داخلها من شغل “المعلم ناسيوس الحجار” وليس الباب فقط ، وكانت في لحظة اكتشافها في ذلك اليوم  ، مغطاة ببلاطات مسطحة غير منتظمة بدت في الصورة المرفقة بالبحث .

وقال الدكتور الغضبان في دراسته عن هذا الإكتشاف  “كان الأثاث فقيراً وفيه  أساور برونزية لأطفال على شكل رأس ثعبان وأشياء صغيرة أخرى ، وقد نقلت هذه المواد إلى متحف بيروت ، ولم أتمكن من رؤيتها مرة أخرى ، ويؤسفني تدمير وثائقي وكتاباتي أثناء الحرب الأهلية وأنا غير قادر على تقديم الصور عنها للأسف ” .

 ويذكرنا هذا التاريخ الذي كان فيه “ناسيوس الحجار” يحفر بمطرقته وإزميله في الصخر هذا المدفن الرائع لعلية القوم من أهل حمّارة المسيحية ، كان قبل حوالي 60 عاماً من ولادة خير الأنام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام سنة 570 ميلادية .

وأبقي المدفن في مكانه تحت بيت المربي محمد حسين الورداني حتى يومنا هذا منذ 47  عاماً ، ووصفه العالم الغضبان وصفاً دقيقاً مع رسومات توضيحية وصور فوتوغرافية حصل عليها التحقيق من المديرية العامة للآثار بمساعدة وزير الثقافة مشكوراً .

هجرة قبائل وخليط طائفي !

واضح أن القوم في تلك الأيام كانوا قد طوروا حياتهم وامتهنوا زراعة الزيتون والعنب غالباً لإنتشار معاصر العنب والزيتون في عدة أماكن من القرية ، وصاروا خليطاً طائفياً كان مسيحياً في البداية ، وصار إسلامياً بعد الفتح الإسلامي وبعد الهجرات التي تلت الفتح ، وهجرة قبائل عربية نصرانية ومسلمة على زمن الحاكم معاوية بن أبي سفيان في عام 660 ميلادية  الذي كان حاكماً على بلاد الشام (سوريا ولبنان) ونظم هجرة قبائل عربية مسيحية وإسلامية الى لبنان للمرابطة في ثغور شرقي المتوسط ، وبناء أسطول للسيطرة على البحار بمقاييس الدول الحديثة حينها ، الى ما صار يعرف بعدها ب ” لبنان ” في العشرينيات من القرن الماضي .

 وتوالت القرون والأعوام وبقيت المسميات قائمة في حمّارة وبقي اسم ” وادي الكنيسة” حيا حتى يومنا هذا ،  وحتى فترة السبعينيات من القرن الماضي ، كان أهل القرية يطلقون على ال”حواكير” السفلية في  البلدة اسم “الخمارة “و”حاكورة الدروز” أيضا لأن الكثير من الأدلة وبعض والوثائق تثبت أن بعض العائلات الدرزية كانت تسكن في البلدة أيضاً حتى القرن الثامن عشر .

وبالمقابل ليس من أدلة واضحة على تاريخ مغادرة المسيحيين القرية ، وهذا يحتاج الى بحث تاريخي ديموغرافي متخصص ، علماً بأن القرى المجاورة في معظم البقاع الغربي وراشيا لا تزال حتى اليوم تحوي خليطاً دينياً متنوعاً من المسلمين  السنة والشيعة والدروز والمسيحيين .

وقد نقل بالتواتر عن أهل القرية أن بعض أهل البلدة من الدروز توزعوا بين وادي التيم ومنطقة بيت الدين .

بلدة المنارة حالياً

تعاقبت الحضارات ورحلت … وبقيت الآثار شاهدة  !

حضارات تعاقبت … وبقي “قصر الوادي” الروماني شامخاً على تلة الوادي في بلدة المنارة البقاعية منذ أكثر من أربعة آلاف عام ، بينما قبعت المدافن المسيحية تحت التراب لأكثر من 1500 عام حتى اليوم ، ومرت عليها حضارات متعددة ، وصارت تحت حكم الدولة الإسلامية العربية بعد معركة اليرموك الشهيرة على البيزنطيين ، ثم كان عصرها الذهبي في عهد الأمويين والعباسيين ، ثم ضعفت الخلافة وصارت السيطرة للأيوبيين ، وانتقلت الى المماليك الذين تصدوا للإحتلال الصليبي الذي سيطر في الشرق ما بين أعوام 1095 -1291(حوالي 200سنة) وقضوا عليه عام 1291 ، ثم الى الدولة العثمانية بعد معركة مرج دابق في عام  1516 عندما هزمت الدولة العثمانية المماليك ، فالفرنسيين بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى ، ثم الى الدولة اللبنانية في عام 1943 .

Nextlb.com

عدسة nextlb

و عاصم البعلبكي

الصور التاريخية : المديرية العامة للآثار

المصادر والمراجع :

GHADBAN, C., « Monuments de Hammara (Béqa‘‑Sud, Liban) : Nova et vetera », Ktèma 10, 1985, p. 287‑309.

HAJJAR, Y., « Dieux et cultes non héliopolitains de la Béqa‘, de l’Hermon et de l’Abilène à l’époque romaine », ANRW 2, 18.4, 1990, p. 2509‑2604

KRENCKER, D. et ZSCHIETZSCHMANN, W., Römische Tempel in Syrien, Berlin et Leipzig, 1938.

لمشاركة الرابط: