ماجدة داغر
حين يلتقي سحر الطبيعة اللبنانية بقدسية المعمار الكنسي وسمو الموسيقى الكلاسيكية العالمية، يتولد فضاء استثنائي يتجاوز حدود الزمن. هكذا كان الموعد المشهود مع الجمال المطلق في رحاب كنيسة مار يوسف في بلدة الغابة الوادعة، تحت مظلة المعهد الوطني العالي للموسيقى بالتعاون مع بلديتي الغابة المسقى، وبدعوة من رئيسة المعهد المؤلفة الموسيقية هبة القواس.
تخطى الحفل كونه أمسية عادية تضاف إلى أجندة الصيف الثقافية، ليكون تجليات روحية وفنية صاغتها أصابع كبار الموسيقى العالمية القادمين من قمم الأداء الاحترافي ليعزفوا على أوتار الشغف الإنساني المشترك.
قدمت الأمسية منسقة الحفل وعضو بلدية برمانا ريما كنعان بكلمة ترحيبية شكرت فيها المعهد ورئيسته وقالت: “يُشَرِّفُنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكُمْ اليَوْمَ لِتَقْدِيمِ هذِهِ الأُمْسِيَّةِ المُوسِيقِيَّةِ ، حَيْثُ يَلْتَقِي الفَنُّ بِالمَحَبَّةِ، وَالثَّقافَةُ بِالأَمَل. نَجْتَمِعُ اليَوْمَ لِنَحْتَفِيَ بِجَمالِ النَّغَمِ، وَبِقُدْرَةِ المُوسِيقَى عَلَى تَوْحِيدِ القُلُوبِ وَتَجاوُزِ الحُدُودِ، مِنْ ساحَةِ كَنِيسَةِ مار يُوسُفَ – الغابَةِ، الَّتِي احْتَضَنَتْ هذِهِ الأُمْسِيَّةَ بِدَعْمٍ كَرِيمٍ مِنْ رَئِيسِ وَأَعْضَاءِ المَجْلِسِ البَلَدِيِّ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ السَّيِّدُ نَعِيمُ أَبُو جَوْدَةَ. كُلُّ الشُّكْرِ وَالتَّقْدِيرِ لِلْكُونْسِرْفَتْوارِ الوَطَنِيِّ اللُّبْنانِيِّ بِقِيادَةِ الدُّكْتُورَةِ هِبَةَ القَوّاسِ، الَّتِي تُواصِلُ حَمْلَ رِسالَتِها السَّامِيَةِ بِإِيمانٍ راسِخٍ بِأَنَّ المُوسِيقَى لُغَةُ الرُّوحِ، وَشِفاءُ القُلُوبِ، وَرِسالَةُ مَحَبَّةٍ وَثَقافَةٍ تُلامِسُ كُلَّ بَيْتٍ فِي لُبْنانَ.
ثم كانت كلمة ترحيبية وشكر لرئيس بلدية برمانا نَعِيم أَبو جودة ومما جاء فيها: “تعرفون البلدة الغابة والمسقى من تاريخها وواقعها كانت ولم تزل مصدر فكر نير وعطاء متجدد فالتاريخ يشهد لها من خلال المواقف الجريئة التي تصيب الهدف علمياً، اجتماعياً، روحياً، وسياسياً وبيئياً، فتاريخنا غني لا يغيّب عن بال أحد. وبالمناسبة السعيدة نستذكر معاً أحد الشخصيات النادرة ونسمي المرحوم فارس يعقوب أبو جودة وولده الذي حمل صليب العطاء في حياته، العطاء المتجدد والشجاع شكراً فارس على كل ما فعلت للغابة والمسقى بأمانة وصدق .والآن نحن بصدد فرصة نادرة ومتألقة من خلال الدكتورة الرائدة الشجاعة العتيدة في وطنيتها الغنية بثقافتها والمعروفة من الكل المثقف الدكتورة هبة قواس المحترمة نحن أمام صرح من الفن لا ينضب، نحن أمام معهد عالٍ للموسيقى “الكونسرفتوار” فرض حضوره عالمياً كأرزة خالدة أحبت سماء لبنان نشكر الرب عليكم، نرحب بكم في ربوعنا ونشد على الأيادي البيضاء لتستمر في الأعمال الناجحة في الوطن لبنان والعالم.”
وفي كلمتها قالت الدكتورة هبة القواس: “أردنا لصيف لبنان هذا العام أن يكون مختلفاً، وأن يعلو صوت الكونسرفتوار الوطني ليصدح بالموسيقى في كل ربوع الوطن. فمنذ أيام قليلة، كانت لنا وقفة تاريخية وروحية كبرى في رحاب “الديمان”، حيث شاركت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو هاروت فازليان في حفل تطويب البطريرك الياس الحويك، لنلتقي معاً في لحظة وطنية وروحية خالدة. واليوم، نحط الرحال في “برمانا” الغابة المسقى، في كنف الطبيعة والجمال، لنعيش تجربة موسيقية مغايرة تلامس الروح عبر “موسيقى الحجرة”، بصحبة ثلاثة أسماء لامعة، يُعدّ كل واحد منهم عازفاً استثنائياً “فيرتيوزو” يمتلك أعلى درجات التقنية الموسيقية، فضلاً عن فرادة الجرس الموسيقي، والتلون، والطبقات الصوتية المختلفة.”
وأضافت: “ولأننا نؤمن بأن رسالة لبنان مستمرة، فإن حفلاتنا لن تتوقف هنا، بل تمتد طوال شهري آب وأيلول، وصولاً إلى شهر تشرين الأول مع انطلاق الموسم الموسيقي الجديد الذي سنعلن عن تفاصيله لاحقاً. فأهلاً بكم جميعاً، أنتم الذين تقاطرتم من كل المناطق اللبنانية لنحتفل معاً في هذا المكان الخلاب، مؤكدين أن هذا الحفل ليس سوى البداية لسلسلة أُمسيّات ستتوزع في مختلف مناطق المتن طوال هذا الصيف. عندما نتحدث عن عازف بمستوى “فيرتيوزو”، فإننا نعني القمة في الأداء والتقنية. ويضم حفلنا اليوم نخبة استثنائية تنتمي إلى المدرسة الروسية العريقة لتمنحنا برنامجاً خاصاً جداً نسافر مع أبعاده الموسيقية: سيرغي سلوفاتشيفسكي: العازف الأول لأوركسترا مارينسكي تحت قيادة فاليري غيرغييف، والحائز على أهم الجوائز والألقاب الشرفية الفنية في روسيا ومن حكومته. يأتي إلى لبنان حاملاً رسالة دعم ومحبة للإسهام في إعادة بناء الأوركسترا خلال فترة الحرب، في وقت نكابد فيه صعوبة بالغة في استقطاب الموسيقيين العالميين. ورغم كل التحديات، نجحنا خلال السنتين المنصرمتين في استقدام أهم العازفين والقادة العالميين إلى لبنان، وكأن قدر هذا الوطن أن يواجه الصعاب ويتخطاها بصورة تشبه المعجزة. وفي ظل إلغاء معظم المهرجانات في لبنان، أخذنا على عاتقنا أن نكون حاضرين في كل شبر منه عبر الكونسرفتوار، وأوركستراته، وأوركسترات الشباب. وريناتا باخراخ: زوجة العازف سيرغي وعازفة الكمان البارزة في مسرح مارينسكي، والتي تشرفنا بحضورها إلى لبنان أيضاً. وإيفلين بيريزوفسكي: عازفة البيانو التي تُعد من أهم عازفات جيلها على مستوى العالم. وهي الداعمة للكونسرفتوار والتي كرست نفسها للمعهد في حضورها الدائم عبر حفلاتها أو عبر إسهاماتها الأكاديمية التي أثرت الموسيقى والمعهد. وكانت قبل أسابيع قليلة قد أحيت مع والدها، العازف الكبير بوريس بيريزوفسكي، أول حفل مشترك في تاريخ مسيرتهما الموسيقية من بيروت. هؤلاء الثلاثة يجتمعون ليقدموا لنا ليلة موسيقية لا تُنسى، متخطين كل الظروف لنؤكد معاً أن رسالة لبنان الفنية والثقافية باقية وتكمل طريقها مهما اشتدت الصعاب”.
تكتسب الفعاليات الموسيقية هويتها الروحية من بيئتها، وكانت بلدة الغابة في برمانا بإطلالاتها الساحرة وطبيعتها الخضراء الحاضنة للغيم والسكينة، المسرح الأجمل لاحتضان هذا الحفل الموسيقي. باحة كنيسة مار يوسف، حيث يمتزج عبق الصنوبر بأنغام موسيقى الحجرة، وجد الجمهور نفسه منخرطاً في طقس جمالي فريد، تتناغم فيه جغرافية المكان مع جلال النغمة.
جمعت الأمسية نخبة من ألمع الأسماء العالمية التي تمثل ذروة الإتقان الموسيقي في العصر الحديث، وهم عمالقة أتوا حاملين إرث المدارس العريقة ليعزفوا بحواسهم كلها:
ريناتا باخراخ (Renata Bakhrakh): عازفة الكمان المرموقة في أوركسترا مارينسكي الشهيرة، وحاملة جائزة المركز الأول في المسابقة الدولية للعازفين الشباب في بودابست. خريجة معهد موسكو ورسولة المدارس الروسية والأوروبية الكبرى في العزف التعبيري المفعم بالحيوية والرقة والدقة المطلقة.
سيرغي سلوفاتشيفسكي (Serguei Slovachevsky): عازف التشيلو الأيقوني، الحائز لقب “فنان روسيا المكرم” ورئيس عازفي التشيلو في أوركسترا مسرح مارينسكي وأوركسترا بطرسبرغ. إنه عازف استثنائي تتشابك في شخصيته الفنية قوة الأداء مع عمق التعبير الفلسفي، وهو تلميذ لمدارس العمالقة أمثال روستوبوفتش، وقد حمل إلى مسرح الغابة تاريخاً مجيداً من العطاء والجوائز العالمية الكبرى.
وإيفيلين بيريزوفسكي (Evelyne Berezovsky): عازفة البيانو التي وصفتها صحيفة “لو موند” الفرنسية بأنها صاحبة “مزاج هائل، وتقنية مذهلة، وقلب ينبض بالصدق”. إنها واحدة من أبرز عازفات البيانو لجيلها، وقد ملأت القاعات العالمية الكبرى، لتبث في بيانو الأمسية طاقة تعبيرية تخترق وجدان الحاضرين.
تألف البرنامج الموسيقي للأمسية من تحف كلاسيكية خالدة، افتتحت برائعة يوهان سيباستيان باخ وشارل جونو “” (Ave Maria) للتشيلو والبيانو، كمدخل روحي مهيب يفتتح الأمسية بخشوع صوفي. ثم انتقل الثلاثي إلى سوناتا بيتهوفن الثالثة في سلم لا الكبير بحركاتها الثلاث، حيث تجلت عبقرية البناء الهارموني وعمق الحوار بين الآلتين. تلا ذلك سحر بيتر إيليتش تشايكوفسكي عبر معزوفة “أداجيو” من باليه “الجميلة النائمة”، وصولاً إلى التحفة الدرامية الكبرى: الثلاثي الموسيقي “في ذكرى المعلم الأعظم” (Trio “In Memory of the Great Master”) للكمان والتشيلو والبيانو، والتي تُعد قمة في التعبير التراجعي المفعم بالأسى النبيل والشغف الموسيقي العارم.
أظهر العازفون الثلاثة براعة منقطعة النظير في ترويض الصعاب التقنية لصالح التعبير العاطفي النقي، ناسجين معماراً صوتياً متكاملاً.
أضاف هذا الحفل الباهر وما شهده من تفاعل جماهيري ونقدي رفيع، نجاحاً آخر إلى النجاحات الموسيقية التي يقدمها الكونسرفتوار، وهي تعود بالدرجة الأولى إلى رؤية استراتيجية واضحة يقودها المعهد الوطني العالي للموسيقى برئاسة الدكتورة هبة القواس، رؤية تؤمن بأن استقطاب الأسماء العالمية إلى لبنان والقرى والبلدات اللبنانية هو فعل مقاومة ثقافية لا تقف في وجهها أعتى الصعاب.
