في المرحلة الانتقاليّة بين تقاعد مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار وتعيين القاضي أحمد رامي الحاج خلفاً له على رأس النيابة العامّة التمييزيّة، سُجّلت سابقة قضائيّة مرتبطة بأحد أكثر الملفّات حساسيّة وأهميّة، وهو ملفّ المرفأ. إذ إنّ المطالعة المفترض أن يصدرها مدّعي عامّ التمييز، بعد إحالة القاضي طارق البيطار كامل ملفّ التحقيق إلى النيابة العامّة التمييزيّة، لن تصدر بتوقيع المدّعي العامّ القاضي الحاج بل المحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب.
خَتم المحقّق العدليّ في انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار تحقيقاته في الملفّ نهاية آذار الماضي، وأحالها على النائب العامّ التمييزيّ بالتكليف القاضي جمال الحجّار لتقديم مطالعته بالأساس، على أن يحيل الملفّ مجدّداً إلى القاضي البيطار لإصدار قراره الظنّيّ، تمهيداً لإحالة القضيّة أمام المجلس العدليّ.
أتت هذه الخطوة قبل 25 يوماً من إحالة الحجّار على التقاعد. وفق معلومات “أساس” حصل تمنٍّ من قبل الحجّار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود على القاضي صعب لتسلّم الملفّ بالنظر إلى قرب إحالة الحجّار على التقاعد، وكفاءة القاضي صعب وقدراته التي يشهد لها كلّ أهل العدليّة من رأس الهرم القضائيّ ونزولاً، إضافة إلى “اطمئنان” البيطار أيضاً لبروفيل القاضي صعب و”سمعته”، وكونه من غير المحسوبين على أيّ جهة سياسيّة، ولا حسابات تقيّده.
قرار التّكليف
كانت هناك خشية قضائيّة حقيقيّة من أن يشهد ملفّ المرفأ المفتوح منذ نحو ستّ سنوات، مزيداً من الاستنزاف. أصدر الحجّار سريعاً قرار تكليف القاضي صعب. وفق المعلومات، كان تكليفاً كاملاً من الألف إلى الياء، لجهة تمثيل النيابة العامّة، وتسلّم الملفّ من المحقّق العدليّ، وإعداد المطالعة، بعد الاطّلاع ودراسة كامل ملفّ التحقيقات.
في 14 نيسان أُعدّ محضر التسليم والتسلّم بين القاضيَين صعب والبيطار. عندئذٍ لم تكن مسألة التوقيع على المطالعة مطروحة لأنّ الحجّار كان سيحال الى التقاعد خلال أيّام. حصل ذلك فيما كانت “المنافسة” بين القضاة السنّة على منصب مدّعي عامّ التمييز على أشدّها، خصوصاً بين القاضيَين الحاج وصعب.
مع تعيين مجلس الوزراء القاضي الحاج مدّعياً عامّاً للتمييز، استمرّ تمنّي عبّود والبيطار والحجّار على القاضي صعب الاستمرار في مهامّه، وهذه المرّة أتى التمنّي أيضاً من جانب رئيس الحكومة نوّاف سلام. ردّد هؤلاء القضاة أمام العديد من زوّارهم: “القاضي صعب هو أجدر القضاة للقيام بهذه المهمّة”.
من جهته، وافق المدّعي العامّ القاضي الحاج على إعداد صعب المطالعة، على أن يوقّعها بنفسه. وفق المعلومات، طلب القاضي صعب أن يعدّ كامل المطالعة، وأن لا يتدخّل أيّ طرف فيها، وأن تحمل توقيعه الشخصيّ، من باب “تحصين” قناعته القضائيّة وترجمتها على الورق، من دون أيّ تأثيرات أو تدخّلات قضائيّة وخارجيّة، وإلّا فالانسحاب من الملفّ.
تسمح الهرميّة في النيابة العامّة التمييزيّة، بعكس قضاة التحقيق مثلاً، للنائب العامّ التمييزيّ أن يطلب ويتدخّل بكلّ فاصلة، وبالتالي أن يغيّر في مجرى المطالعة، وصولاً إلى حدّ منع المحاكمة مثلاً عن أيّ شخص.
حصلت مداولات بين المعنيّين، وبعد اجتماع عُقد بين صعب وعبّود والحاجّ تمّ الاتّفاق على التفويض الخطّيّ بالتوقيع، كما يقتضي القانون. عمليّاً، كان أُعدّ جزء من هذا القرار من خلال القرار الخطّيّ الصادر سابقاً عن الحجّار، وتمّت إضافة صلاحيّة توقيع محامي عامّ التمييز عليه، ثمّ بدأ صعب جدّيّاً الغوص في “مطالعته”، بعدما تأخّر عمله نحو شهر بسبب “الكباش” على صلاحيّة التوقيع.
سابقة قضائيّة
وفق هذا المسار، يعدّ صعب مطالعته، ويوقّعها ويرسلها إلى القاضي البيطار من دون أن يعرضها على أيّ طرف، باستثناء التنسيق البديهيّ بينه وبين المحقّق العدليّ.
تقول مصادر قضائية لـ”أساس” إنّ ما حصل يعدّ سابقة قضائيّة لا مثيل لها حتّى حين تنحّى مدّعي عامّ التمييز السابق غسّان عويدات وكلّف القاضي غسّان خوري.كما أنّ في العادة حتّى لو أعدّ المحامي العام مطالعته، لكن يوقّعها بالنهاية النائب العامّ التمييزيّ.
هكذا تضافرت كلّ المعطيات كي يُجيّر مدّعي عامّ التمييز إعداده للمطالعة والتوقيع عليها للمحامي العامّ التمييزيّ، وأوكل المهمّة بالكامل لصعب.
المفارقة اللافتة أنّ الحاجّ بدأ أخيراً يعمّم في مجالسه ويوصل رسائل “بأنّه يُفضّل أن لا يتعاطى بملفّ المرفأ، وأنا عُيّنت مدّعياً عامّاً تمييزيّاً، وهذا كان هدفي”. ولم يتردّد في تأكيد أنّ صعب “الأكفأ لهذه المهمّة”.
المطالعة إلى ما بعد 4 آب
لكن كم يستلزم إعداد المطالعة من وقت؟
وفق المعلومات، بدأ صعب الغوص في الملفّ بشكل مركّز منذ حصول التفويض بالتوقيع، من دون أن يعاونه أيّ قاضٍ حفاظاً على السرّيّة. يعمل أيضاً في أيّام العطل، كي يصدر مطالعته في مهلة زمنيّة معقولة وتكون ذات مضمون متين وعادل أقرب إلى السرد القصصيّ المعلوماتيّ لجهة تحديد المسؤوليّات وكشف الحقيقة.
بالطبع ستتخطّى المهلة المعقولة، وفق المعلومات، تاريخ 4 آب بالنظر إلى ضخامة الملفّ وتعقيداته، وامتداداته الداخليّة والخارجيّة، ولأنّه سيُشكّل مرحلة مفصليّة في تاريخ لبنان على المستوى القضائيّ والسياسيّ والإنسانيّ.
بدأ القاضي صعب العمل من غرفة ملأى بخزانات حديديّة تحتوي على آلاف الأوراق والمستندات، مع تسجيل إنجاز لطارق البيطار الذي قام بعمل أرشيفيّ منظّم ومتقن سيُسهّل عمل المحامي العامّ في دراسته للملفّ من كلّ الجوانب.
القرار الظّنّيّ بعد المطالعة
تسلّم صعب ملفّ تحقيق متكاملاً وهائلاً مؤلّفاً من المحضر التأسيسيّ، التحقيقات الأوّليّة للأجهزة الأمنيّة والمباحث الجنائيّة المركزيّة، والإحالة إلى المجلس العدليّ (تحقيقات القاضي فادي صوّان). أمّا الشقّ الأكبر والأكثر تنظيماً فيشمل تحقيقات طارق البيطار التي استمرّت على مدى نحو أربع سنوات، لا سيّما محاضر الاستماع الى المدّعى عليهم، والشهود، والمشتبه فيهم، وأجوبة المتّهمين، إضافة إلى كمّ هائل من المستندات المرتبطة بكلّ جوانب الملفّ، والاستنابات القضائيّة، وبعضها كان وصل من الخارج قبل أيّام.
تتوقّع مصادر قضائيّة أن يصدر القرار الظنّيّ عن القاضي البيطار بفارق زمنيّ قصير عن إصدار صعب مطالعته.
في شأن تأثير مطالعة المحامي العامّ التمييزيّ على المحقّق العدليّ، تقول المصادر: “قانوناً لا شيء يُلزِم المحقّق العدليّ الأخذ باستنتاجات المدّعي العامّ أو المحامي العامّ التمييزيّ. لكن حين تكون المطالعة متطابقة مع القرار الاتّهاميّ يذهب القرار بزخم أكبر إلى المجلس العدليّ. وفي حالة القاضيين البيطار وصعب تلعب علاقة التعاون والانسجام دوراً مؤثّراً جدّاً بفضل تبادل الانفتاح والتفاهم والثقة بين الطرفين”.
المصدر ” أساس ميديا”
