تراجع دونالد ترامب موقتاً، و”لفترة وجيزة”، عن استئناف حربه على إيران، لأن السعودية وقطر والإمارات وأطرافاً أخرى طلبت التريث، ولأن هناك “مفاوضات جادة” يمكن أن تفضي الى اتفاق “مقبول للغاية” لدى كلّ الأطراف في الشرق الأوسط (بما يشمل إسرائيل؟) إذا ضمن “عدم امتلاك إيران أي أسلحة نووية”. لكن، من أين جاءت هذه الإشارة الى عدم امتلاك أسلحة نووية، هل من جهود الوسيط الباكستاني، أم من اتصالات وزير الخارجية الإيراني بنظرائه في الخليج؟ وكيف يمكن الوثوق بما تقوله طهران ما دامت اتصالاتها الدبلوماسية بالعواصم المجاورة مرفقة بإطلاق مسيّرات عليها؟ وهل تخلّت طهران عن شروطها وباتت مستعدة للتعهد بعدم امتلاك سلاح نووي (رفضته في الجولة اليتيمة في اسلام اباد)، وهل تكتفي واشنطن بهذا التعهد لتمضي قدماً نحو إنهاء الحرب؟
لكن شيئاً لا يضمن أن تكون الحرب في صدد الانتهاء، إذ أن الرئيس الأميركي يحافظ عليها كتهديد قائم، وأن حليفه الإسرائيلي لا يزال يتمنّاها حرباً مفتوحة كي يتمكّن بنيامين نتنياهو من اجتياز الانتخابات وتمديد مستقبله السياسي. ثم أن الأسئلة المتبقية كثيرة، وأبرزها ما يتعلّق بفتح مضيق هرمز فيما تصرّ إيران على فرض سيادتها عليه، ونظامها لإدارته مع رسوم لعبوره. ومن الأسئلة أيضاً ما يرتبط بـ “الأذرع” الإيرانية التي لم يتبقَّ منها عملياً سوى النواة الصلبة المتمثّلة بالميليشيا اللبنانية و”حزبها”. أما ميليشيات إيران العراقية فتدير الولايات المتحدة حالياً، عبر الدولة العراقية، مخططاً طويل الأمد لحصرها وتفكيكها وتدويرها. وأما ميليشيات الحوثي في اليمن فمن الواضح أن الحرب غلّبت لديها غريزة البقاء وقلّصت ارتباطها بطهران، كما أن الرياض تمكّنت من احتوائها الى حين.
لا يمكن الركون في أي حال الى التفاوض الأميركي- الإيراني كي يحل مشكلة “الأذرع”، فمع أن طهران تفاوض لتتجنّب الاستسلام إلا أنها لا تزال تمنّي نفسها بالخروج “أقوى مما كانت” قبل الحرب. وسواء كانت “الأذرع” أوراقاً أو أعباء تفاوضية فإنها ستواصل استخدامها لتظهر أن لديها ما تقدّمه اقليمياً. وبالنسبة الى لبنان فإن طهران أثبتت بلا أي لبس أنها تتماهى مع “حزبها” في عدم احترام الدولة، بل عدم الاعتراف بها، إذ أن “الحرس الثوري” الإيراني يدير الحرب الحالية مباشرةً، أما “الحزب” فأخرج “الدولة” من قاموسه ويعتبرها مجرد “سلطة”، بل “سلطة بلا شرعية” كما دأب نوابه وإعلامه على وصفها، متجاهلين أن لهم وزراء في الحكومة.
أنها “غريزة البقاء”، هنا أيضاً، كذلك أفول النفوذ وضمور الوظيفة وانتهاء الصلاحية، تدفع بـ “الحزب” الى الفجور السياسي كسلاح مواكب لترسانته العسكرية. فهو يهاجم “المفاوضات المباشرة” لأن الدولة تخوضها مرغمة كي توقف الحرب وتحصل على انسحاب إسرائيلي وتضمن عودة النازحين، لكن هذه الأهداف تناقض أهداف “الحرس” و”الحزب” اللذين استدعيا الاحتلال ليضمنا بقاء “المقاومة” وبقاء النزوح والدمار. وتذهب أبواق “الحزب” بعيداً في التهجّم بسفالة خالصة على رئيسي الجمهورية والحكومة، فقط لأنهما أوجدا حال دولة لاغية لـ “الدويلة” ومن دون استخدام أي عنف أو ترهيب. لذلك يبلغ الفجور والعفن السياسي ذروتهما حين يقول قادة “الحزب” إن الدولة “تفاوض من دون تفويض” لكنهم أشعلوا حرباً على لبنان من أجل إيران وبـ “تفويض” منها لا من اللبنانيين. See less
عبدالوهاب بدرخان – النهار
