على الحديث عن احتمال إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بعد ما تردّد عن توجُّه الإدارة الأميركية إلى تكليف صهر الرئيس الأميركي ترامب جاريد كوشنير بالإشراف على مسار تفاوضي محتمل بين بيروت وتل أبيب. ردود الفعل الأولى في بيروت كما في تل أبيب غير مشجعة، وإن كان لكل طرف أسبابه في ذلك.
في خضم الحرب المشتعلة بين حزب الله وجيش الإحتلال، تصبح الشروط المتبادلة حول إنعقاد مثل هذه المفاوضات بمثابة ألغام قابلة للتفجير، حتى قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. نتنياهو وفريقه المتطرِّف غير مستعد لخوض مفاوضات جدية مع لبنان قبل تحقيق «نصر حاسم» على حزب الله. في حين أن الحزب يعارض أية خطوة بإتجاه التفاوض، ويعتبرها من «الكبائر»، في حال تجاوزت مطالبه في وقف العمليات العسكرية، وما كان يتخللها من غارات وإغتيالات، وإطلاق الأسرى، والإنسحاب من المواقع المحتلة في حرب أيلول ٢٠٢٤.
يُضاف إلى ذلك، أن الحزب الذي دخل الحرب الإقليمية الراهنة لفتح «جبهة إسناد لإيران»، قد لا يملك قرار وقف الحرب وحده، طالما المعركة مستمرة في طهران، وبالتالي لا يستطيع المفاوض اللبناني أن يتعهد بتنفيذ وقف النار، طالما أن القرار هو خارج لبنان.
وعلى الرغم من هذا الواقع المؤلم، تكمن أهمية المبادرة الرئاسية اللبنانية في السعي إلى تحصين الدولة ومؤسساتها وبناها التحتية من تداعيات الحرب الدائرة في الإقليم. فلبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، لا يحتمل انزلاقاً واسعاً نحو مواجهة مدمّرة قد تقضي على ما تبقّى من قدرته على الصمود. ومن هنا، يصبح تأكيد موقع الدولة ودورها في حماية المرافق الحيوية – من المطار والمرافئ إلى شبكات الكهرباء والاتصالات – أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي خيار سياسي أو دبلوماسي آخر.
لقد أظهرت التجارب السابقة أن الحروب التي تدور على الأرض اللبنانية غالباً ما تتجاوز قدرة الدولة على التحكم بمسارها أو نتائجها. لذلك فإن التشديد على سياسة النأي بالنفس عن صراعات الإقليم ليس مجرد شعار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لحماية لبنان من أن يتحول مرة جديدة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.
غير أن الواقع أكثر تعقيداً من مجرد إعلان سياسي بالتفاوض. فلبنان يعيش اليوم في قلب توازنات إقليمية متشابكة، حيث يرتبط موقف بعض القوى الداخلية المؤثرة بالصراع الدائر بين إسرائيل وإيران. وفي هذا الإطار يبرز دور حزب الله الذي يرى في المواجهة مع إسرائيل جزءاً من معادلة الردع الإقليمية المرتبطة بطهران. وهذا ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن إطلاق مفاوضات حقيقية فيما الحرب لا تزال مشتعلة في الإقليم.. وقرار الحرب والسلم خارج سلطة الدولة اللبنانية.
إن تجربة الماضي تقدّم مؤشرات مهمة. فقد سبق للبنان وإسرائيل أن دخلا في مسار تفاوضي مباشر عقب توقيع إتفاقية ١٧ أيار عام 1983، في مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد. صحيح أن ذلك الاتفاق لم يصمد طويلاً بسبب الانقسامات والصراعات الداخلية والضغوط الإقليمية، لكنه يثبت أن الحوار المباشر ليس مستحيلاً في الظروف الصعبة، إذا توفرت المناخات السياسية والضمانات الدولية.
اليوم، قد تكون الظروف مختلفة، لكنها لا تقل حساسية. فالسؤال المطروح ليس فقط ما إذا كان الوقت مناسباً للمفاوضات، بل ما إذا كان من الممكن أن تتحول المفاوضات إلى مدخل لوقف النار؟ أم أن استمرار الحرب بين إسرائيل وإيران سيجعل أي حوار لبناني ــ إسرائيلي رهينة لتطورات الصراع الأكبر في المنطقة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب خطوات واضحة من الجانبين. فمن الجانب اللبناني، تبدو الحاجة ملحّة إلى تثبيت مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم، وتعزيز الإجماع الوطني حول حماية الأراضي اللبنانية ومنع استخدامها منصة لحروب الآخرين. كما أن توحيد الموقف التفاوضي اللبناني، وإعطاء المؤسسات الدستورية الدور المركزي في أي مسار تفاوضي، يشكّل شرطاً أساسياً لنجاح أي مبادرة.
أما من الجانب الإسرائيلي، فإن إنجاح أي تجربة تفاوضية يجب أن يمرّ عبر وقف استهداف البنية التحتية اللبنانية، واحترام السيادة اللبنانية، وعدم فرض شروط مسبقة على لبنان. والامتناع عن التصعيد العسكري الذي يقوّض أي مناخ للحوار.
قد لا تكون المفاوضات المباشرة حلاً سحرياً سريعاً لكل أزمات المنطقة، لكنها قد تشكّل بداية لمسار مختلف يخفف من احتمالات الانفجار الكبير. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تملك الأطراف المعنية الشجاعة السياسية لفتح هذا الباب، أم أن المنطقة، ومعها المفاوضات، ستبقى أسيرة منطق الحروب المفتوحة؟
يبدو أن الإحتمال الثاني هو الأرجح… حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
صلاح سلام
