الدولة لا تُبنى بالطوائف… بل بالمواطنة والعدالة
منذ استقلال لبنان تعاقبت إدارات وسياسات أسهمت – بقصد أو بغير قصد – في ترسيخ انتماء الأجيال إلى الطائفة قبل الوطن. فكبرت أجيال ترى في الطائفة ملاذاً، وفي الدولة جهة بعيدة لا تُذكر إلا عند الشكوى. ولهذا أصبح السؤال يتكرر على ألسنة الناس:
“وينيه الدولة؟”
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرين ممن يرددون هذا السؤال لا يعرفون فعلاً ما معنى الدولة، ولا كيف تُبنى، ولا ما هي مسؤولية المواطن في قيامها واستمرارها.
إن الدولة ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل منظومة تقوم على المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص. وعندما تغيب هذه الأسس، يملأ الفراغ نظام الولاءات الضيقة، فتتقدم الطائفة على الوطن، ويحلّ الزعيم محلّ المؤسسة، وتصبح الخدمة امتيازاً لفئة بدلاً من أن تكون حقاً للجميع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تشعر فئة من أبنائه بأنها مهمَّشة، وأن القانون لا ينصفها، وأن الظلم يقع عليها من دون أن تجد في الدولة من يعيد لها حقها. فعندما يفقد المواطن ثقته بعدالة الدولة، يبدأ شعوره بالانتماء إليها بالتراجع، ويصبح أكثر قابلية للبحث عن حلول أو حمايات بديلة، حتى لو جاءت من خارج الوطن.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فغياب العدالة لا يخلق فقط أزمة اجتماعية، بل يفتح الباب أمام تفكك الانتماء الوطني وتنامي الولاءات البديلة.
ولهذا فإن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة لا تتم بالشعارات، بل بإرساء عدالة اجتماعية حقيقية يشعر معها الجميع أن الدولة تقف على مسافة واحدة من أبنائها، وأن القانون يحمي الضعيف قبل القوي.
كما أن إدارة شؤون المجتمع لا يمكن أن تقوم على المحاصصة الطائفية أو على شبكة الأزلام والمصالح الضيقة. فالأوطان تُدار بالكفاءة والخبرة والنزاهة، لا بالولاءات. وعندما تُعطى الفرص لأصحاب الخبرة والقدرة، يصبح العمل العام خدمة حقيقية للمجتمع لا باباً لتقاسم النفوذ.
إن التحدي اليوم ليس فقط إصلاح المؤسسات، بل إعادة صياغة الوعي الوطني. نحتاج إلى أجيال تؤمن بأن انتماءها الأول هو للوطن، وأن الطوائف مكونات اجتماعية لا بدائل عن الدولة.
فالأوطان لا تنهض حين يتقاسمها الأقوياء، بل حين يشعر كل مواطن أن له مكاناً عادلاً فيها، وأن حقوقه مصانة بالقانون لا بالوساطة.
عندها فقط لن يسأل الناس:
“وينيه الدولة؟”
بل سيقولون بثقة: هذه دولتنا… ونحن شركاء في بنائها
بقلم نزيه عبدو حمد رئيس مجموعة نزيه اللبنانية- الخليجية
