حين يُطاع القوي ويُستَضعَف العقل… يختلّ الوطن

في مجتمعاتنا، مشهد يتكرر بصمت:
القوي يُطاع… لكنه غير محبوب.
والضعيف يُحب… لكنه غير محترم.
ليست المشكلة في القوة، ولا في اللين.
المشكلة حين تتحول القوة إلى رهبة،
ويتحول اللين إلى عجز.
الناس قد تطيع القوي خوفًا على مصالحها، لا اقتناعًا بعدالته.
يمدحونه علنًا، ويتمنون زواله سرًا.
فالطاعة تحت الضغط ليست احترامًا، بل غريزة بقاء.
وفي المقابل، حين يغيب الحزم،
يتحوّل اللطف إلى استهتار،
وتتحول المحبة إلى تجاوز للحدود.
فالضعف لا يصنع هيبة،
والمجتمع بلا هيبة لا يعرف النظام.
لكن الخلل الأعمق ليس في الأشخاص…
بل في المعادلة نفسها.
الخلل حين ينفصل العقل عن الناس.
وهنا تصحّ الحكمة الشعبية التي تختصر المأساة:
“عُقّال بلا جهّال بيعيشوا ذلال،
وجهّال بلا عُقّال حقهم ضايع.”
حين يبقى العقل وحده في الغرف المغلقة،
يدرس ويخطط ويحلّل ويكتب وينتقد،
دون أن يلامس الواقع والقرار،
يتحوّل إلى شاهد على الانحدار.
وحين تتحرك الجماهير بالعواطف بلا وعي أو قيادة رشيدة،
يتحوّل الحق إلى فوضى،
وتضيع المطالب بين الشعارات والانفعالات.
السياسة ليست استعراض قوة،
ولا سباق خطابات،
بل مسؤولية ميزان.
القوة بلا عقل استبداد.
والجماهير بلا وعي فوضى.
والعقل بلا تأثير ترفٌ لا يغيّر واقعًا
الدولة القوية لا تقوم على إخافة الناس،
ولا على استرضائهم،
بل على قرار عادل يُحترم لأنه عادل،
لا لأنه مفروض.
الوطن اليوم يشبه سفينة تتنازعها الأيدي:
بعضهم يريد الإمساك بالدفة ليحكم،
وبعضهم يريد كسرها غضبًا،
وقليلون فقط يسألون: إلى أين نتجه؟
الإصلاح لا يبدأ بإسقاط القوي،
ولا بإطلاق غضب الشارع،
بل بإعادة العقل إلى موقع القيادة،
وإعادة الناس إلى موقع الشراكة،
وإعادة القوة إلى دورها الطبيعي
حين يتقدّم العقلاء ولا يخافون،
وحين يدرك الناس أن وعيهم هو قوتهم،
وحين تصبح السلطة تكليفًا لا امتيازًا،
عندها فقط لا يُطاع القوي خوفًا،
ولا يُستَضعَف الضعيف شفقةً،
بل يُحترم الإنسان… لأنه مواطن.
فالأوطان لا تنهض بالصوت الأعلى،
ولا بالقبضة الأقسى،
بل بالميزان الأعدل.
بقلم نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية-الخليجية

لمشاركة الرابط: