في زمنٍ تتبدّل فيه قواعد الاقتصاد والسياسة بسرعة غير مسبوقة، لم يعد “الاستقرار” قيمة مطلقة كما كان يُنظر إليه في الماضي.
اليوم، يُقاس الاستقرار بقدرته على إنتاج التطوّر، لا بمدّة البقاء في المكان نفسه.
قبل سنوات، كان يُنظر إلى الموظف الذي يمكث عشر سنوات في شركة واحدة على أنه نموذج للوفاء والانضباط.
أما اليوم، في عام 2026، فقد تغيّر السؤال.
لم يعد: كم سنة بقيت؟
بل أصبح: ماذا تغيّر فيك خلال هذه السنوات؟
الأسواق الحديثة، التي أعادت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تشكيلها، لم تعد تكافئ البقاء بقدر ما تكافئ القدرة على التكيّف.
الشركات تبحث عمّن جرّب بيئات مختلفة، وتعلّم من ثقافات متعددة، وواجه أزمات حقيقية، لا عمّن عاش في سياق واحد مغلق.
المشكلة ليست في العمق، بل في غياب التنوع.
أن تعمل في بيئة واحدة لفترة طويلة قد يعني أنك تعرّضت لنظام إداري واحد، وثقافة تنظيمية واحدة، وطريقة تفكير واحدة.
وهنا يبدأ القلق:
هل أنت قادر على العمل خارج تلك المنظومة؟
هل تملك مرونة الانتقال من سياق إلى آخر؟
هل تستطيع التعامل مع تحولات سريعة في الأدوات والسياسات؟
السوق لا يخشى الاستقرار بحد ذاته،
بل يخشى الركود الذي قد يتخفّى خلفه.
وهذا المنطق لا يقتصر على سوق العمل.
في السياسة أيضًا، نرى وجوهًا بقيت لعقود في مواقعها.
كان لها حضورها وتأثيرها، وكانت تحظى بثقة الناس.
لكن مع مرور الوقت، تغيّر المزاج العام.
الأجيال تبدّلت.
الأولويات اختلفت.
التحديات أصبحت أعقد.
ومع ذلك، بقي البعض يطرح السؤال ذاته:
ماذا فعلنا حتى تغيّر الناس؟
الحقيقة أن الناس لم تتغيّر فجأة.
المجتمع تطوّر.
والوعي ارتفع.
والتوقعات كبرت.
من يبقى ثابتًا بينما يتحرك المجتمع، سيبدو وكأنه يتراجع—حتى لو لم يتحرّك خطوة إلى الخلف.
فالمنصب ليس مكافأة أبدية على ماضٍ مجيد،
ولا الشعبية رصيدًا دائمًا غير قابل للنقصان.
في السياسة كما في الاقتصاد،
القيمة تُستحق بالحاضر، لا بالماضي.
الاستمرار في الموقع لا يبرَّر بسنوات الخدمة،
بل بقدرة الشخص على مواكبة المرحلة، وتحديث أدواته، وتقديم إضافة ملموسة.
الولاء قيمة أخلاقية لا شك فيها.
لكن الولاء للمكان لا يجب أن يتحوّل إلى إهمال للنفس.
أن تمرّ السنوات وأنت في الدور ذاته، بالمهام ذاتها، دون تطوير مهاراتك أو توسيع أفقك، لا يُسمّى استقرارًا… بل تجميدًا مهنيًا وفكريًا.
والتجميد هو الخطر الحقيقي في عصر التحوّل.
الحل لا يكمن في التنقّل العشوائي بين الوظائف،
ولا في التخلّي عن الوفاء للمؤسسات،
بل في إعادة بناء الصورة المهنية باستمرار.
أن تقول سيرتك الذاتية:
أنا هنا لأنني أضيف قيمة.
أنا مستمر لأنني أتطوّر.
أنا أواكب التغيير، لا أقاومه.
وأن تقول تجربتك في أي موقع عام:
بقائي ليس امتيازًا شخصيًا،
بل مسؤولية تتجدد مع كل مرحلة.
في النهاية، لا السوق يعاقب الاستقرار،
ولا المجتمع يعادي التاريخ.
لكن كلاهما لا ينتظر من يتوقف عن التطوّر.
في عالم يتغيّر كل يوم،
الاستقرار يصبح فضيلة فقط عندما يكون مصحوبًا بالحركة،
والاستمرار يصبح قيمة فقط عندما يحمل معه نموًا حقيقيًا.
أما البقاء بلا تطوّر،
فليس استقرارًا…
بل بداية خروج صامت من المشهد
بقلم نزيه عبدو حمد رئيس مجموعة نزيه اللبنانية- الخليجية







