في الحروب، لا يكون السقوط دائماً مدوّياً. أحياناً يحدث بصمت، بلا إعلان، وبلا مقاومة تُذكر. في لبنان، تبدو الدولة أولى شهداء هذه الحرب. سقطت باكراً جداً، قبل أن تتضح معالم المواجهة، وقبل أن يسمع اللبنانيون صوتاً رسمياً يطمئنهم أو حتى يشرح لهم ما يجري.
المؤسف أنّ هذا الغياب لم يأتِ بعد معركة، بل سبقها. فلا حضور فعلي لمؤسسات يُفترض أن تقود، ولا خطة تُظهر أن هناك من يدير الأزمة، ولا خطاب يُعيد الحد الأدنى من الثقة. اللبنانيون تُركوا وحدهم، يتلقّون الأخبار من كل حدب وصوب، ويواجهون القلق بلا مرجعية واضحة.
في مثل هذه اللحظات، يُفترض بالدولة أن تكون أكثر حضوراً لا أقل، أن ترفع صوتها لا أن تختفي، وأن تُمسك بزمام الأمور بدل أن تتركها تتفلّت. لكن ما نشهده هو العكس تماماً: فراغ يتّسع، ومشهد يتشظّى، ومؤسسات تبدو كأنها خارج السياق.
وليس دور السلطات، في مثل هذه الظروف، أن تكتفي بالتحوّل إلى ما يشبه منظمات إغاثية أو “NGO”، تتدخّل عند الحاجة وتغيب عند الاستحقاق. الدولة ليست هيئة طوارئ مؤقتة، ولا جهة دعم لوجستي، بل هي قرار وسيادة وإدارة شاملة للأزمة. دورها أن تمنع الانهيار، لا أن تتكيّف معه، وأن تضبط الإيقاع، لا أن تراقب الفوضى من بعيد.
هذا التحوّل الخطير في مفهوم الدولة هو ما يثير القلق الحقيقي. حين تتراجع السلطة إلى دور المراقب أو المسعف، يملأ الفراغ آخرون، وتتعدد المرجعيات، ويصبح الأمن والخوف والقرار موزّعاً بين جهات لا تخضع لمنطق واحد. وهنا، لا يعود الخطر فقط في ما يحدث، بل في غياب من يفترض أن يمنع حدوثه.
بيروت اليوم تعكس هذا المشهد بوضوح. توتر متصاعد، مؤشرات أمنية مقلقة، وأحاديث عن انتشار غير منظم، فيما الصوت الرسمي شبه غائب. لا تطمين، لا حسم، لا حتى محاولة جدية لإعادة الإمساك بالوضع. وكأن العاصمة تُترك لتواجه مصيرها، فيما الدولة تراقب من بعيد.
الأخطر من كل ذلك هو الأثر النفسي على الناس. حين تغيب الدولة، يغيب معها الشعور بالأمان، وتتحول الحياة اليومية إلى مساحة قلق دائم. المواطن لا يريد معجزات، بل يريد أن يشعر أن هناك من يدير، من يقرّر، من يحمي. وهذا أبسط أدوار الدولة، لا أكثر.
لبنان لا يحتاج فقط إلى وقف التصعيد، بل إلى استعادة معنى الدولة نفسها. لأن الخسارة الكبرى ليست في حدث أمني أو تطور ميداني، بل في أن يصبح غياب الدولة أمراً طبيعياً ومقبولاً.
وإذا كانت هذه الحرب قد بدأت بإسقاط الدولة كأول ضحاياها، فإن المعركة الحقيقية اليوم هي في استعادتها. لأن ما دون ذلك، ليس سوى إدارة مؤقتة للخوف، لا أكثر
إكرام صعب
