يرى المؤرخ والدبلوماسي اللبناني خالد زيادة أن هزيمة حزيران/يونيو 1967 شكّلت محطة مفصلية في تاريخ الفكر العربي، إذ دفعت إلى مراجعات عميقة للأيديولوجيات والسياسات السائدة، وفتحت الباب أمام انفتاح أوسع على الإنتاج الفكري الأوروبي. ويعرض هذه الرؤية في كتابه الجديد “عقد الستينيات الفريد” الصادر حديثًا عن دار رياض الريس، والذي يمزج بين السيرة الذاتية والتأمل الفكري والتوثيق التاريخي لمرحلة يعتبرها من أكثر العقود تأثيرًا في العالم العربي.
التقرير:
يوثق خالد زيادة في كتابه الجديد مرحلة الستينيات من القرن الماضي من خلال تجربة شخصية تمتد من طفولته حتى بلوغه سن الرشد، معتبرًا أن تلك السنوات كانت الأكثر تأثيرًا في تكوينه الفكري والإنساني. ويؤكد أن الإنسان لا تصنعه العائلة أو المدرسة فقط، بل تصنعه أيضًا الأحداث الكبرى التي يعيشها ويتأثر بها، حتى وإن لم يكن واعيًا لحجم تأثيرها في حينه.
ويشير زيادة إلى أن كتابه لا يندرج ضمن السيرة الذاتية التقليدية، بل يمثل تجربة في الكتابة تمزج الخاص بالعام، والحميمي بالسياسي، بحيث تتحول الذاكرة الفردية إلى نافذة لقراءة التحولات التي شهدها المجتمع العربي خلال عقد الستينيات.
ويعتبر أن الستينيات لم تكن بداية الحداثة العربية، لكنها شكّلت مختبرًا لتحولات اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة. ويستعيد مظاهر التغيير التي عاشتها المجتمعات العربية آنذاك، من تبدل أنماط العيش واللباس والعلاقات الاجتماعية، وصولًا إلى التغيرات الثقافية التي رافقت تلك المرحلة.
وفي قراءته للمشهد الثقافي العربي، يرى زيادة أن مصر احتفظت طوال قرن، بين عامي 1860 و1960، بدور الريادة الثقافية في العالم العربي، غير أن تشديد الرقابة وتراجع الانفتاح الثقافي ساهما في انتقال مركز الثقل إلى بيروت، التي أصبحت خلال الستينيات عاصمة للنشر والترجمة والسجالات الفكرية، مستفيدة من هامش واسع لحرية التعبير وانفتاحها على الثقافة الغربية.
ويؤكد أن التحول الأكبر في الفكر العربي جاء بعد هزيمة عام 1967، التي دفعت المثقفين إلى مراجعة الأفكار القومية والأيديولوجية السائدة، وأسهمت في انفتاح أوسع على الفلسفات والنظريات الأوروبية، مستشهدًا بتأثير عدد من المفكرين الغربيين الذين بدأت أعمالهم تلقى اهتمامًا داخل الأوساط الثقافية العربية، مع الإشارة إلى أن هذا التأثير بقي محصورًا إلى حد كبير بالنخب الفكرية.
وفي المقابل، يلفت إلى أن الحداثة التي عرفتها المجتمعات العربية في الستينيات كانت أكثر وضوحًا في السلوك والعادات والحياة اليومية منها في البنى الاجتماعية العميقة، إذ بقيت التقاليد راسخة وقادرة على مقاومة كثير من مظاهر التغيير.
كما يوضح زيادة أن كتابه يمثل محاولة لتجاوز القوالب التقليدية في الكتابة، من خلال الجمع بين المذكرات الشخصية والرصد التاريخي والتأمل الفكري، بحيث يستطيع القارئ أن يقرأه بوصفه سيرة ذاتية، أو رواية، أو شهادة على مرحلة مفصلية من تاريخ العالم العربي.
المصدر: مجلة ضفة ثالثة، حوار مع المؤرخ والدبلوماسي اللبناني خالد زيادة
