ماجدة داغر
بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس، يستكمل الكونسرفتوار الوطني “سمفونية الصمود” التي أطلقها عبر حفلاته الموسيقية الدورية على رغم الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان.فالتقت النخب الثقافية لتعيش لحظة تجلٍّ فنيّ صاغته “الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية” بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، في الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت.
افتتحت القواس الأمسية بكلمةٍ جالت فيها في حنايا الذاكرة، مؤكدةً أن المعهد الوطني العالي للموسيقى بجميع أقسامه وأجنحته الشرقية والغربية، وأوركستراته بشقيها الفلهارموني والشرق عربي، يحمل على عاتقه مهمة أزلية وهي حراسة الذاكرة الثقافية اللبنانية والعالمية. وقالت: “إن الذاكرة ليست التفاتة إلى الوراء، إنما هي الروح التي تسري في جسد الحاضر لتبني قوام المستقبل، وحين تعزف الأوركسترا، فإنها تعيد صياغة الزمن نغماً لا يموت.”
وأشارت القواس إلى أن هذه الحفلات لا تقتصر على حفظ التراث الموسيقي اللبناني فحسب، بل تمتد لتكون همزة وصل وبوابة عبور نحو الذاكرة العالمية. “فمن خلال الروائع الخالدة التي تقدمها الأوركسترا الفلهارمونية لكبار المؤلفين حول العالم، يترسخ دور لبنان التاريخي كجسر يربط بين الشرق والغرب. ولتأكيد هذا التلاحم الثقافي، حرص الكونسرفتوار على إدراج مؤلف موسيقي لبناني في برنامج كل حفلة عالمية، تمتيناً لهذا الجسر وتفعيلاً لجدلية التثاقف والانفتاح”.
وحيّت القواس المايسترو لبنان بعلبكي، “الذي تمكن في وقت قياسي من إعداد برنامج رفيع يضم تحفاً موسيقية خالدة”. وأوضحت أن هذا الريبرتوار يمثل لقاءً حياً بين الماضي والحاضر، حيث يلتقي المايسترو والعازفون بنصوص موسيقية مدونة لمؤلفين راحلين، ليعيدوا إحياءها بروح العصر وبمشاركة تفاعلية من الجمهور، قبل أن تنطلق هذه الألحان وتسافر في فضاء الكون إلى ما لا نهاية.”
وأضافت أن “هذا اللقاء الفريد الذي يجمع الليلة بين شوبرت، وسان صانس، وبيزيه، والقواس من لبنان، هو التجسيد الحقيقي لمد الجسور بين المحلية والعالمية، وبين أزمنة ثلاثة: الحاضر الذي يعزف، الماضي الذي أورث، والمستقبل الذي يتلقى الشعلة”.
وفي ختام كلمتها المؤثرة، وجهت رسالة صمود قائلة:
”إن الشعوب لا تنتهي بمرور الأزمات، بل تندثر حين تنقطع صلتها بذاكرتها.” مؤكدةً إصرار المايسترو والأوركسترا والكونسرفتوار على الاستمرار في هذا الزمن الصعب لحمل شعلة الذاكرة حمايةً للهوية الإنسانية من الفناء، لتنهي كلمتها بدعوة بليغة قائلة: “أترككم الآن مع الصمت في حضرة الموسيقى.. لأن أولى عتبات الحضارة هي الإصغاء”.
افتتح المايسترو الأمسية بعبور إلى عوالم الأوبرا الفرنسية والدراما الإسبانية المشعبة بالضوء، مقدماً “مقدمة أوبرا كارمن” (Carmen Overture) للمؤلف جورج بيزيه (1838-1875). فاتسم الأداء بالدقة الإيقاعية الحيوية، عاكساً التناقض الصارخ الذي تبنى عليه الأوبرا، بين ابتهاج حلبة مصارعة الثيران وصخب نغمة “المصارع” (Toreador)، وبين الكبح المفاجئ والصادم الذي تفرضه ثيمة “المصير” الحزينة والمشؤومة (Fate Motif) التي تلوّح بنهاية كارمن التراجيدية. هنا برزت قدرة الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية على الانتقال الفوري من وهج الفرح العارم إلى قتامة الفجيعة بلمح البصر وبسيطرة أدائية لافتة.
ومن صخب الدراما الفرنسية، تلوّنت الأجواء بذروة الرومانسية النمساوية الشاعرية مع “السمفونية الثامنة”، المعروفة بـ “السمفونية غير المكتملة” (Unfinished Symphony) للمؤلف فرانز شوبرت (1797-1828). ومن خلال حركتيها “Allegro moderato” و”Andante con moto”، قدم بعلبكي قراءة تفسيرية عميقة للشجن الشوبرتي.فهذه السمفونية التي لم تر النور إلا بعد عقود من رحيل مؤلفها، تجلى جمالها في الحوار الساحر والأخّاذ الذي افتتحته آلات الأوبوا والكلارينيت بتآلف تام وفوق همس الوتريات الخافت، تماماً كما وصفها الناقد الموسيقي الشهير هانسليك عند سماعها أول مرة عام ١٨٦٥. كانت القيادة واعية ومموسقة بروح الشاعر، فلم تنجرف وراء العاطفية المفرطة، بل حافظت على التوازن الهيكلي الرصين.
ثم تلا ذلك تحول إيقاعي وتعبيري جسور نحو الشرق الساحر عبر “رقصة الباخانال” (Dance Bacchanale) من أوبرا “شمشون ودليلة” للمؤلف كامي سان صانس (1835-1921). هذه الرقصة الأوركسترالية المستقلة، المستوحاة من الطقوس الميثولوجية الصاخبة، تطلبت من العازفين تلوينات أدائية تجمع بين اللمسة السمفونية الفرنسية والزخرفة النغمية الشرقية. وقد تفوقت آلات النفخ الخشبية والإيقاع في رسم لوحة حسية متحركة تفور بالحركة والاندفاع التعبيري الذي وضعه سان صانس في الفصل الثالث من أوبراه الشهيرة.
أما مسك الختام، فكان ارتحالاً إلى فضاء فلسفي وبنيوي معاصر حمل توقيع المؤلفة هبة القواس، في الحركة الأولى من مؤلفها السمفوني “Pleusis No” المصاغ عام ٢٠٠٠ بطلب من الراحل الكبير الدكتور وليد غلمية. وتعود هذه التسمية الإغريقية الساحرة إلى معاني “التدفق، الفيض، والإبحار”، حيث تجسّد العمل في ختام الأمسية كبنية فنية حية تتأججبالتحول الثيماتي المستمر والحركة الأزلية الشبيهة بأمواج البحر التي لا تستكين. هنا، تضافرت الوتريات والآلات النحاسية والخشبية مع الإيقاع في حوارية تفيض بالجمال والأبعاد الوجدانية المعاصرة. لتخرج الحركة كدفق وجداني متكامل يكشف عن لغة القواس السمفونية المتميزة، التي طافت كبريات المسارح العالمية كالأوركسترا الفلهارمونية اللندنية وبولشوي وروماني سنفونييتا.
ختاماً، تبقى حفلات المعهد الوطني العالي للموسيقى الشاهد الأكبر على منارة الفكر الإنساني الذي ينطلق من بيروت كبيانٍ ثقافي وجودي، وكتحية لبيروت التي تصنع من الموسيقى قيامة مستمرة لحكاية الإبداع.

