قرية عمّيق البقاعية دمرها الزلزال في عام 1956 وأعيد بناؤها على أرض آل السكاف

إعداد مروان محمد درويش
منذ أيّام نشرت على صفحتي الخاصة صوراً لبعض أطلال قرية عمّيق القديمة، فتواصل معي بعض الأصدقاء للسؤال عن تاريخ هذه الأطلال وكيف تهدَّمت تلك المنازل؟ وكيف إنتقلت البلدة إلى مكانٍ آخر . والعديد من الأسئلة التي كان محورها قرية عمّيق . مما أثار فضولي ودفعني للتفتيش على دراسات ومراجع تؤرخ هذه القرية، لمحاولة الإجابة على الأسئلة التي طرحها بعض الأصدقاء المهتمين بالمنطقة وتاريخها. والمعلومات الوافية والدقيقة إستقيتها من دراسة إقتصادية بعنوان:
” الملكية العقارية في بعض قرى البقاع الغربي (عميق ، دير طحنيش ، عانا ، تل الذنوب)” من إعداد الباحثة آمال يوسف سميا من الجامعة اللبنانية معهد العلوم الإجتماعية – الفرع الرابع – البقاع بإشراف الدكتور سهيل القش في عام 1988 لنيل شهادة ديبلوم الدراسات المعمقة في علم الإجتماع .
عميق وزلزال 1956
ترقى قرية عمّيق الحديثة في نشأتها إلى أكثر من نصف قرن ، وكان موقعها قديماً مختلفاً عن موقعها الحالي والمسافة بينهما لا تتجاوز الكليومتر الواحد لجهة الجنوب الغربي من البلدة. وكانت بيوتها من الطين والحجارة ، تركها سكانها على أثر زلزال عام 1956 حيث تصدّعت كل بيوتها المتصدِّعة أصلاً، وقامت مصلحة التعمير آنذاك بإفراز مكان القرية الحالي على أرض تخصّ النائب الراحل جوزيف سكاف، فبني أوّل منزل فيها وفقاً لشروط التنظيم المُدُني عام 1963 وهو يخصّ السيّد يوسف جبّور، واكتمل بناء القرية تقريباً في عام 1975.
تقع قرية عمّيق في قضاء البقاع الغربي على السفح الشرقي لجبل الباروك، ويحدّها من الشمال منطقة الصفرا القريبة من بلدة قب الياس، ومن الجنوب قرية دير طحنيش ومن الغرب جبل الباروك ومن الشرق سهل البقاع . وتعتبر من القرى الغنيّة بالمياه حيث تتدفَّق فيها عدّة ينابيع أهمّها: عين عابد وعين التينة وعين الصعلوك ونبع عمّيق الشهير، بالإضافة إلى المياه الجوفيّة المتوفرة بكثرة والآبار الأرتوازية التي تروي السهول . وتشتهر بمستنقعاتها ومحميَّتها الطبيعية.
وتُقسم عمّيق إداريّاً إلى ثلاث مناطق عقارية هي : عميق القرية، منطقة الجرد وهي منطقة قاحلة تحيط بعمّيق وتكسوها أشجار الصنوبر، ومنطقة الشبرقيّة وهي منطقة زراعية تقع شرقي عميق. وتبلغ مساحة عمّيق الإجمالية بما فيها المناطق العقارية الثلاث 29,554,543 م2 بينما تبلغ مساحة القرية وحدها والأراضي الزراعية التابعة لها 17,332,181 م2 وتتوزّع هذه المساحات ما بين أراض زراعية وجبلية وبور وأحراج صنوبر ومستنقعات ويملكها بمعظمها آل سكاف حيث تفوق ملكيتهم ثلثي أراضي القرية ، بينما لا يملك غالبيّة الأهالي أي عقار. حتى البيوت التي يُقيمون فيها ليست ملكاً لهم.


بين فخر الدين المعني وآل سرسق
في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني جرى تجفيف مستنقعات عمّيق الواقعة ضمن إقطاعه، وكذلك فعل الأمير بشير الشهابي الكبير، ومنذ أواخر القرن الثامن عشر أصبحت ضمن إقطاع آل جنبلاط حتى العام 1860، حيث ضُرِبت الزعامة الجنبلاطية إثر التدخل الفرنسي ونُزعت منهم معظم الملكيّات لا سيما في البقاع وحصلت تبدّلات سكانية، وبدأت بعض العائلات المستفيدة من النفوذ الفرنسي بتملّك الأراضي، فامتلك مثلاً آل سرسق أملاكاً في بلدة كفريّا، وآل رزق في تل ذنوب، وآل إدّه في عانا.
بعد عام 1863، ضمن نعمان المعلوف قرية عمّيق من ترجمان القنصليّة الفرنسيّة آنذاك ” نخلة المدوّر “، وأدارها سنوات عديدة، ثمّ استلمها ملحم بك شكّور ثمّ أمين بك شكّور من بلدة عين زحلتا، حيث كان معظم أهالي المتن يلتزمون أراض في سهل البقاع، وبخاصةً أن قرية عمّيق كانت في بداية عهد المتصرّفية تابعة لقضاء المتن، وبعد عام 1868، عندما ألحِقت بولاية الشام بقي القسم الغربي منها في جبل لبنان والباقي في البقاع، وكانت الطريق هي الفاصل بينهما.
وفي عام 1895، قدم أحد تجّار بيروت الأثرياء وإسمه يوسف سرسق إلى شتورا لشراء أراضٍ في البقاع بديلة عن قرية مرج بن عامر في فلسطين والتي كانت ملكاً له وباعها إثر المؤتمر اليهودي العالمي الذي أقيم في سويسرا في عام 1892 وأعلن فيه عن أرض الميعاد في فلسطين المحتلة ، فاشترى أولاً في كفريّا ثمّ في عمّيق.
كان يوسف سرسق صديقاً لأمين شكّور ومولعاً بسباق الخيل، وصادف حدوث معرض لسباق الخيل في مصر، فاتَّفق الصديقان على الإشتراك في السباق على أن يكون الرهان منطقة عمّيق، أو يدفع يوسف سرسق أموالاً مقابل خسارته، لكن أمين شكّور خسر الرهان بخطّة مدبّرة، فانتقلت منطقة عمّيق بذلك إلى مالك جديد هو يوسف سرسق، وكانت الأرض التي حصل عليها مستنقعات فعمل على تجفيفها، كما غرس الجبل بالنصوب وقسّم الأرض إلى قطع زراعيّة وحفر الخنادق ومجاري المياه، وجرّ مياه الشفة، واستقدم لذلك مهندسين منهم المهندس عبد بك القدّيس والمهندس رياشي الذي شقّ نهر ” الرياشي” جنوب أرض عمّيق، والمهندس سبيرو الذي شق نهر ” سبيرو” الذي يبتدئ من نبع عمّيق الحالي. وبنى يوسف سرسق قصره الفخم الذي يُعرف اليوم بقصر آل سكاف كما بنى حوش عمّيق إلى شمال شرق القرية، وتوجد على بابه لوحة محفور عليها تاريخ بناء آل سرسق الحوش عام 1908. وكانت أجرة البنّاء يومها ستّة قروش والعامل ثلاثة قروش واستهلك البناء خمسة عشر قنطاراً من المسامير، وبلغت كلفة هذه المشاريع قرابة مئة وثمانون ألف ليرة ذهب.
وكان ليوسف سرسق ولدان هما نجيب وألبير، أشرف نجيب على الأملاك بعد وفاة والده، وأقام دعوى مفادها أن شقيقه ألبير مختلٌّ عقليّاً ولا يحق له بالإرث، فاتّصل الأخير مباشرةً برئيس وزراء فرنسا الذي كانت تربطه به علاقة صداقة، فتوسَّط له وأصبحت منطقة عمّيق مقسّمة بين نجيب وألبير سرسق.
وكان لأهالي عمّيق في ذلك الوقت مثل آل نعمة، أيوب، ناصيف، رزق، يعقوب وسواهم أملاكاً لا بأس بها كانوا قد حصلوا عليها نتيجة صكوك الطابو التي أعطيت لهم أثناء مسح الأراضي عام 1858، وكان نجيب سرسق مقرَّباً من الحكام وصاحب الكلمة النافذة، فخافه الأهالي، ودعا بعضهم ومنهم المختار آنذاك عيسى توما إلى مأدبة غداء في عين عابد واشترى سكوتهم بالرشوة والقوّة وأهداهم عباءات فوقّعوا له على صكّ ملكيّة بأن الجبل ومشاع القرية هما من أملاكه حتّى قيل ” إنَّ عمّيق بيعت بعباءة”.
وبعدها أحضر اللجنة العقارية إلى منزل أحد أبناء القرية بشارة أبو سركيس بحجّة أنه سيشتري أملاك الأهالي ليرفع عنهم كاهل الضرائب، ومثّل المختار دوراً مسرحيّاً، إذ كانت اللجنة تسأل: هل بعت فلان أرضك؟، فيُجيب بأسماء الأهالي من الخارج : نعم. وهكذا دواليك. وكان الإتفاق على ذلك أيضاً مع اللجنة العقارية المرتشية. حتى أصبحت عمّيق بكاملها ملكاً له. وعندما علم الأهالي بالأمر أسكتهم بالقوّة فترك معظمهم القرية وهاجر إلى أماكن أخرى خوفاً منه. أمّا المنازل فقد سُجِّلت آنذاك بأسماء أصحابها القاطنين فيها، وكانت عبارة عن مساكن من الطين تتألف من غرفتين أو ثلاث على الأكثر، وكانت تُشكِّل ما يُعرف اليوم بإسم ” عمّيق القديمة”.

من آل سرسق الى آل السكاف
وفي عام 1918، زار نجيب سرسق مصر والتقى هناك بصديقه حبيب سكاف من زحلة فتحادثا عن الأملاك والمشاريع وطلب نجيب من صديقه حبيب أن يرشده إلى وكيل للإشراف على أملاكه الواسعة في عمّيق، فحدَّثه الأخير عن صهره الياس طعمه سكاف، وهكذا كان، فبعد عودة نجيب سرسق من مصر قابل الياس طعمه سكاف وأتى به إلى عمّيق واتَّفق معه على أن يقوم بإدارة الأرض وتحسينها وإكمال مشاريع الري وحفر الخنادق والإشراف على كافة الأعمال.
بدأ الياس سكاف بتنفيذ عدد من المشاريع في الأملاك واستقدم مساعداً له يُدعى جبّور حبيقة من بسكنتا. وبما أنَّ هذه المشاريع كانت باهظة التكاليف، فقد أغرقت نجيب سرسق بالديون، إضافة إلى حياة البذخ والمقامرة التي كان يهواها، فكثرت عليه الديون، مما حدا بإلياس طعمه سكاف أن يعرض عليه شراء أراضي عمّيق منه، وكان الأخير قد ربح أموالاً طائلة، إمّا في المقامرة أو من خلال تضخيم كلفة المشاريع.
وكانت الأرض قد سُجِّلت بموجب قرار لجنة التحديد عام 1928 بإسم نجيب سرسق /900 سهم/ زوجته /600 سهم/ ألبير سرسق /900 سهم. وفي عام 1935 بعد موت نجيب سرسق، وانتقال حصّته إلى زوجته وأولاده نقولا وماري ولورنس، جدَّد الياس سكاف طلبه شراء الأرض من نقولا سرسق فوافق، ونُقلت حصّة نجيب سرسق في عمّيق عام 1936 إلى الياس طعمه سكاف.
أما ألبير سرسق، فقد باع ممتلكاته في عمّيق إلى شخص ألماني يُدعى كوتلهف واكنر في 9 كانون الثاني 1937، بعد أن كانت قد فُرِزت عن العقارات المشتركة مع الياس طعمه سكاف لتشكِّل عقارات جديدة تضم كل واحدة منها 2400 سهم. وبهذا تكون ملكيّة عمّيق قد انحصرت ما بين حوالي الثلثين إلى الياس طعمه سكاف والثلث الباقي إلى الألماني كوتلهف واكنر.
فيما بعد إنتقلت حصّة الياس طعمه سكاف بالإرث والوصية عام 1952 إلى ولديه جوزيف /1600 سهم/ وميشال /800 سهم/. وانتقلت حصّة ورثة الألماني كوتلهف واكنر بالبيع من زوجته لينا /600 سهم/ وإبنه واكنر /1800سهم/ إلى مالكين جدد هم آل رزق، سابا، الحاج شاهين وجان سكاف.
وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، إتَّخذت فرنسا والحلفاء قراراً بتوزيع أملاك الألمان على أهالي المشتركين في جبهات الحرب مع الجيش الفرنسي، وبالطبع هذا القرار لا بدَّ ان يشمل أملاك الألماني واكنر التي ستوزَّع على أهالي عمّيق. فأسرع عندها كلّ من جان سكاف، الياس الحاج شاهين، نجيب سابا وأمين رزق ليشتروا الأرض من آل واكنر. فأقام جوزيف سكاف الذي كان قد ورث حصّة والده دعوى ” حق الشفعة” عليهم، فما كان من جان سكاف إلاّ أن اتصل بأقطاب السياسة اللبنانية في ذلك الوقت بيار الجميّل، كميل شمعون، فؤاد بطرس وحميد فرنجيّة، واتَّفق الجميع على تعجيز جوزيف سكاف عن التملُّك، ووضعت الأرض تحت حراسة الدولة (حراسة أموال العدو)، وأخذ كلٌّ من شركاء جان سكاف حججاً بالتملُّك بمساعدة المحامي اسكندر يارد الذي عيّنه حميد فرنجيّة بتوكيل منهم، واستلموا الأرض عام 1955 بصك عادي وتمَّ التسجيل عام 1961 في الدوائر العقارية على أسماء ريمون أمين رزق، نجيب سابا، جان سكاف، جان ويوسف ورشيد الياس الحاج شاهين، فيما أبقوا في كلِّ العقارات ملكيّة سهمين للينا واكنر وستة أسهم لإبنها لإثبات حقهم في الملكيّة ويستثمرها الشركاء بشكلٍ فعلي ريثما يُبتّ نهائياً بأمر الدعوى التي ما زالت مُعلَّقة حتى اليوم.
وفي عام 1977، إنتقلت حصة نجيب سابا إلى زوجته نورما مايرو وأولاده نقولا، مايا، كاترين، وعفيفة نيكول. فيما انتقلت حصّة ميشال سكاف عام 1978 إلى ولديه ميشال وناجي.
وفي عام 1956، ضرب الزلزال قرية عميّق كما ضرب سائر القرى البقاعيّة يومها، فتصدَّعت وتهدَّمت معظم منازلها، فقامت مصلحة التعمير بفرز قطعة من الأرض المملوكة من السيدين جوزيف وميشال سكاف لبناء مساكن جديدة عليها للأهالي شرط أن يتعهّدوا على إبقاء ملكيّة الأرض لآل سكاف والبناء لقاطنه. وبما أنَّ القرية الأساسيّة كانت شبه معزولة وبيوتها لم تعد صالحة للسكن فوافق معظم الأهالي على ذلك ووقَّعوا على تعهُّدٍ بذلك .
وبذلك تكون ملكية أهالي القرية عبارة عن 43 عقاراً فقط تبلغ مساحتها 10247 م2 هي عبارة عن بيوت قديمة موجودة في منطقة عميق العقارية وتحديداً في القرية القديمة المدمَّرة إلى الآن على أثر زلزال عام 1956، ومساحة كلٍّ من هذه العقارات هي ما دون ألف متر مربع وما زالت مسجَّلة بأسماء أصحابها في الدوائر العقارية. أمّا البيوت الحالية فهي مُنشأة جميعها على عقار واحد تخص ملكيّته ورثة النائب الراحل جوزيف سكاف وإبنه النائب والوزير الراحل إيلي بك سكاف.
[email protected]

لمشاركة الرابط: