تدخل المنطقة اليوم وندخل معها في مرحلة “انتقالية” حيث القديم انتهى والجديد لم تكتمل معالمه بعد، وهي مرحلة وصفها غرامشي، الذي دخل السجن في إيطاليا في إطار مواجهة الفاشية، قائلاً إن “الوحوش تخرج من أوكارها في المراحل الانتقالية”.
مرحلة اليوم تشبه ما حصل منذ أكثر من مئة عام، عندما انهارت السلطنة العثمانية وبدأ الانتداب على المنطقة ولبنان، حيث أسّس الدولة الحديثة، مع إطلاق السجل العقاري، وأعمال المساحة والتحرير، وسجل النفوس، وقانون المياه، وتوليد الكهرباء، ودعم الجامعة والمدرسة والمستشفى التي تكوّنت بفضل الإرساليات الأجنبية.
تزامنت هذه الإصلاحات مع نهضة في المنطقة، واستفاقتها من مرحلة السلطنة، والانتقال من التتريك إلى مبدأ التعريب، والتي أدّى المسيحيون والموارنة تحديدًا دورًا مهمًا فيها. فتشكّلت لدى المسيحيين في لبنان وسوريا والعراق قدرة ثقافية وسياسية واجتماعية ومالية مع ظهور القطاع المصرفي الحديث الذي جعل من لبنان عموماً، ومن المسيحيين خصوصاً، حاجة لا يمكن تجاوزها.
غير أنه، وبالرغم من نجاحهم الملحوظ في مجمل القطاعات، بقيت عقدة “العددية” تتحكم بتوجهاتهم السياسية، مما أدى إلى فرز عميق بين تيارين أساسيين:
التيار الأول:
يرى أن المسيحيين أقلية ومن واجبهم “التنبّه” الدائم إلى غلبة المسلمين عليهم بالعدد.
قَبِل هذا التيار على مضض بفكرة “لبنان الكبير” بشرط أن يكون في خدمة “لبنان الصغير” وبضمانة الانتداب الفرنسي.
– نظر إلى استقلال 1943 بعين القلق مع فقدان ضمانة الانتداب واستبدالها بضمانة الشراكة مع المسلمين، وفي هذا السياق كتب أحد مفكري هذا التيار، جورج نقاش، عن “الميثاق الوطني” أن “سلبيتين لا تصنعان إيجابية”.
– مارس هذا التيار حقوقه في بناء الدولة على قاعدة المواطن “المميز”، متهمًا الفريق الإسلامي بنقصٍ في انتمائه اللبناني ووفرة في انتمائه العربي.
– شعر بعروبة إلغائية مع صعود الناصرية والثورة الفلسطينية… خصوصاً بعد هزيمة 1967، وكشف عن رفضه دعم قضايا العرب خلال انتخابات 1968 التي انتهت بفوز كاسح للحلف الثلاثي (الكتائب، الكتلة الوطنية، والوطنيين الأحرار) في وجه النهج الشهابي “القريب” من سياسة جمال عبد الناصر.
– حمل السلاح دفاعًا عن نفسه وبحثًا عن ضمانة عندما انهارت ضمانة الدولة والجيش في 13 نيسان/أبريل 1975.
– رفض اتفاق الطائف في العام 1989 معتبرًا أنه أسقط المسيحيين درجة في هيكلية النظام وأعطى المسلمين درجة إضافية…
التيار الثاني:
لم تكن العددية عقدة لدى هذا التيار المسيحي الآخر.
ظن هذا التيار أن الدفاع عن قضايا العرب والمسلمين من موقع القيادة السياسية أو النص السياسي، والمساهمة في بناء سرديات سياسية، يجعل منه “ضرورة” لا يتجاوزها عدد أو موجة إلغائية.
– كتب عن القومية العربية وحاول الالتفاف عليها من خلال قومية من نوع آخر (سورية اجتماعية)، وساهم في إدخال الفكر الماركسي إلى المصانع والجامعات…
– دعم التيارات العربية مثل الناصرية والبعثية والعرفاتية…
– كتب ونظّر في الصحافة العربية ونشر أفكاره في الصحافة الغربية دفاعًا عن العرب…
أعتقدُ أن الظروف التي تحكمت بنا في القرن الماضي سقطت، وأسقطت معها التيارات المسيحية هذه: تلك التي رفعت عنوان الخوف من المسلمين ومن عددهم، كما تلك التي ظنت أن الغالبية الإسلامية والعربية ستحفظ للمسيحيين دورهم في الدفاع عن القضايا الكبرى.
لكن الذي صمد هو فقط “تجربة لبنان الكبير والصيغة اللبنانية الصافية”.
كثيرون يعتقدون أن هذا الكلام ينتمي إلى فريق الرومانسية السياسية التي انتهت ولن تعود.
لكن، ومنعًا لأي التباس، “لبنان الكبير” الذي أراه نموذجًا ناجحًا هو:
لبنان الذي يجب أن يصمد أمام “خروج الوحوش من أوكارها”.
لبنان السلام في مواجهة العنف بكل أشكاله الجديدة، المعنوية والاجتماعية والدينية.
لبنان الذي يرفض الراديكاليات الطائفية:
يتحوّل المسيحيون إلى أهداف سهلة إذا تبنوا الراديكالية المسيحية في مواجهة الراديكالية اليهودية أو الإسلامية.
تتراجع زعامة دروز جبل لبنان أمام دروز المنطقة بتوجهاتهم المختلفة، وتصمد في “لبنان الكبير” من خلال تحالفاتها مع كل الطوائف.
يصبح حضور العائلات السنية والخيارات السنية في المنطقة أقوى من تيارات سنّة لبنان، ويفقد عنوان “لبنان أولًا” مصداقيته.
لا خلاص للشيعة إلا بالتحرر من أحلاف المنطقة والعودة إلى لبنان بشروط لبنان.
لبنان هو الجواب لهواجس الجميع، وهو مدعو اليوم للعودة إلى دور أكبر، كمركز للحوار بين الأديان والثقافات والتيارات المتصادمة في المنطقة وعليها، ولمصالحة العروبة مع الحداثة، ولإدارة الحوار على ضفتي المتوسط…
”طوبى لصانعي السلام”.
شريط الأخبار
- منخفض مبكر يطرق أبواب لبنان… تحذير جوي للمزارعين
- نموذج لبنان الكبير… ”طوبى لصانعي السلام” بقلم الدكتور فارس سعيد
- ( بالصور ) جمعية كشاف لبنان المستقبل ونادي الوحدة نظما اليوم الرياضي السادس في بلدة المنارة البقاعية
- رئيس الحكومة: زيارة الوفد الإماراتي تؤكد استعادة الثقة بلبنان وتعزز الشراكة بين البلدين
- رسامني في دمشق: تفاهم لبناني–سوري على تفعيل الربط السككي وتشكيل فريق فني مشترك لتعزيز النقل الإقليمي
- مؤسسة السوسن العالمية توّجتها وتدعمها… نورما يمين تمثل لبنان في مسابقة «ملكة جمال الأرض» العالمية
- المركز العربي يحذّر: «الجيل الضائع»… كلفة الحرب والأزمات تهدّد تعليم الأطفال في لبنان
- المديرية العامة للأوقاف الإسلامية احتفلت بذكرى المولد النبوي في مسجد محمد الأمين
