لم تكن تحمل سلاحاً، ولا كانت ذاهبة إلى مواجهة. كانت تحمل أملاً صغيراً بلقاء طفليها؛ صبي في الخامسة من عمره، وطفلة لم تتجاوز العامين وخمسة أشهر.
طبيبة أسنان في الحادية والثلاثين من عمرها، تركت قبل نحو عام البقاع وعادت إلى مدينتها النبطية، حيث افتتحت عيادة خاصة بها، محاولةً أن تبدأ حياة جديدة بعدما تصدعت حياتها الزوجية. ومع مرور الوقت، ظنت أن شيئاً ربما تغيّر، فعادت إلى البقاع لتلتقي زوجها، وهو أيضاً طبيب أسنان من بلدة سعدنايل، في أحد مقاهي شتورة، حيث كان من المفترض أن يناقشا تفاصيل الطلاق الذي دخل أروقة القضاء، وأن تجد طريقاً لرؤية طفليها.
لكن اللقاء لم يمنحها أطفالها… بل أخذ منها ما تبقى من شعورها بالأمان.
بحسب المعلومات المتوافرة، دار الحديث حول حقوقها المالية والعيادة التي كانت قد أسستها في النبطية، قبل أن تتفاجأ لدى عودتها بأن اسم زوجها أصبح مضافاً إلى جانب اسمها على لافتة العيادة، بينما بقيت عيادته تحمل اسمه وحده. وبين الخلاف على مصدر رزقها، ورغبتها في رؤية طفليها، ارتفعت الأصوات، ثم تحولت الكلمات إلى لكمات.
في ثوانٍ، سقط كل شيء.
أمام رواد المقهى، وأمام عدسات الهواتف، انهال الزوج على زوجته بالضرب بطريقة عنيفة، في مشهد صدم اللبنانيين بعدما انتشر الفيديو كالنار في الهشيم. لم يكن مجرد خلاف عائلي، بل صورة قاسية لعنف زوجي خرج من جدران المنازل إلى العلن، ليشاهده ملايين الناس.
ولولا تدخل الموجودين في المكان، لربما كانت النهاية أكثر مأساوية.
نُقلت الطبيبة إلى المستشفى وهي تعاني إصابات في الرأس والعين والأنف والكتف، إضافة إلى كدمات في أنحاء مختلفة من جسدها، فيما بقي طفلاها بعيدين عنها، لدى عائلة والدهما.
القضية أصبحت في عهدة القضاء، وتشير معلومات قضائية إلى صدور مذكرة توقيف بحق الزوج، بالتزامن مع متابعة دعوى الطلاق والإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية.
لكن، بعيداً عن تفاصيل الملف القضائي، يفرض هذا المشهد أسئلة أكبر من قضية زوجين.
كيف يمكن لرجل يحمل شهادة الطب أن يرفع يده على زوجته بهذا العنف؟ وكيف لا تزال بعض أنماط التربية الذكورية تزرع في عقول بعض الرجال أن القوة وسيلة للحسم، وأن الضرب يمكن أن يكون لغةً في الخلاف؟
العنف لا يميز بين امرأة متعلمة وأخرى، ولا بين طبيبة أو عاملة أو ربة منزل. فالشهادة لا تمنح حصانة من العنف، والثقافة لا تكفي وحدها لإسقاط مفاهيم ذكورية ما زالت تعتبر المرأة الحلقة الأضعف، حتى وهي أم لطفلين.
وفي قلب هذه القضية، تقف معركة أخرى لا تقل وجعاً عن الضرب نفسه: حق الأم في رؤية أطفالها.
فالأمومة ليست امتيازاً يمنحه أحد، وليست ورقة ضغط تُستخدم في النزاعات الزوجية، بل حق إنساني يحميه القانون ومصلحة الطفل قبل أي اعتبار آخر. فالطفل لا يدفع ثمن خلاف والديه، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة انتقام أو تفاوض.
قد يصدر القضاء أحكامه في هذه القضية، وقد تنتهي الخصومة القانونية يوماً، لكن الفيديو الذي هز اللبنانيين سيبقى شاهداً على أن العنف الزوجي لا يزال يعيش بيننا، وأن المعركة الحقيقية تبدأ بتغيير ثقافة ترى في الرجل سلطة، وفي المرأة تابعاً، وفي الأطفال وسيلة للضغط.
وربما تختصر هذه القصة كلها جملة واحدة ترددها كل أم حُرمت من أطفالها: “أريد فقط أن أرى أولادي.وبين كل تفاصيل القضية، يبرز انطباع يكاد يتكرر على ألسنة كل من عرف الطبيبة خلال سنوات إقامتها وعملها في البقاع. فبحسب أشخاص تعاملوا معها عن قرب، عُرفت بدماثة أخلاقها وهدوئها وحسن تعاملها مع المرضى والمحيطين بها، ولم تُعرف عنها أي إشكالات تُذكر، ما جعل مشهد الاعتداء عليها أكثر صدمة لدى من عرفها، وأثار موجة واسعة من التعاطف معها، إلى جانب المطالبة بإنصافها وضمان حقها في رؤية طفليها، بعيداً عن أي خلاف بين الزوجين
لن يسكن هذا الألم، ولن تتوقف قصص العنف، ما دام هناك من يعتقد أن الرجولة تُقاس بعلو الصوت، أو بقوة القبضة، أو بالقدرة على إخضاع امرأة أضعف منه جسداً. وما دام هناك من يختبئ خلف مفهوم مشوّه للذكورة، فلا احترام لشريكة الحياة، ولا تقدير للأم، ولا إدراك بأن الكرامة لا تُنتزع بالعنف.
فالرجولة ليست صفعة، ولا لكمة، ولا تهديداً، ولا حرمان أم من أطفالها. الرجولة مسؤولية، واحترام، وقدرة على احتواء الخلاف دون إذلال، وعلى إنهاء العلاقة، إذا استحال استمرارها، بأخلاق تحفظ الكرامات ولا تهدرها.
ولعل أخطر ما في العنف الزوجي أنه لا يترك كدمات على جسد الضحية فحسب، بل يترك ندوباً في ذاكرة الأطفال الذين يكبرون وهم يشاهدون أو يسمعون أن القوة هي الوسيلة الوحيدة لحل النزاعات. وهنا تبدأ دائرة جديدة من العنف، تنتقل من جيل إلى آخر إذا لم تُكسر بالتربية والقانون والعدالة.
كل امرأة تُضرب هي جرس إنذار، وكل طفل يُحرم من حضن أمه هو ضحية أيضاً. لذلك، فإن مواجهة العنف ليست مسؤولية الضحية وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله، يبدأ من الأسرة، ويمر بالمدرسة، ويصل إلى القضاء الذي يُفترض أن يحمي الضعيف ويحاسب المعتدي.
قد تكون هذه القصة قضية أمام القضاء اليوم، لكنها في حقيقتها مرآة لواقع يحتاج إلى مراجعة عميقة، حتى لا تتحول عبارة “بدي شوف ولادي” إلى صرخة تتكرر في كل بيت
[email protected]
شريط الأخبار
- المكسيك فازت على الإكوادور 2-0 لتنهي عقدة أدوار خروج المغلوب
- من شتورة إلى غرفة الطوارئ… حكاية أم وعنف لا يشبه “الرجولة”
- المفتي الغزاوي استقبل اللبنانية الأولى في دار الفتوى بالبقاع
- مونديال 2026 :المغرب فاز على هولندا وتأهل لدور الـ16
- وزارة الاقتصاد: تخفيض سعر ربطة الخبز اللبناني 5000 ليرة
- (بالصور) وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور للراحل الوزير والنائب السابق بهيج طبارة في اليوم الأول من تقبل التعازي
- منتدى “المستقبل بالتصميم: رؤيتها، مستقبلنا” في جامعة بيروت العربية
- لبنان هزم الهند في التصفيات الآسيوية لكأس العالم بكرة السلة
