دخلت قضية محاكمة الفنان فضل شاكر في ملف “أحداث عبرا” منعطفًا قانونيًا جديدًا مع اقتراب موعد جلسته المُرتقبة أمام المحكمة العسكرية الدائمة في السادس والعشرين من أيار الجاري.
بينما كانت الأنظار تتجه نحو “روتين التأجيلات” أو المُرافعات التقليدية، كشف مصادر قضائية لـ”المدن” عن تطور مفصلي في الملف يتمثّل في استدعاء ضابطٍ رفيع سابق في مديريّة المخابرات في الجيش اللبناني برتبة “عميد” للإدلاء بشهادته بناءً على طلبٍ رسميّ تقدّم به فريق الدفاع عن فضل شاكر.
شهادة تحت مجهر “السرية”
وفقًا لمصادر “المدن”، فإن المحكمة العسكرية وافقت على استدعاء العميد للاستماع حول إفادته حول ظروف “أحداث عبرا” التي وقعت في سنة 2013. وتأتي الخطوة هذه لتكسر الجمود المحيط بملف شاكر، حيثُ يُعوّل فريق الدّفاع على هذه الشهادة لتوضيح “الدّور الحقيقي” للفنان الذي كان مُعتزلًا في فترة المواجهات، ومدى دقّة التهم المنسوبة إليه بالاشتراك في أعمال قتالية ضد المؤسسة العسكرية.
كما تشير المصادر إلى أن اختيار هذا الشاهد ليس عبثيًا، فبحكم موقعه العملياتي والأمني في تلك الفترة، كان صلة الوصل الأساسيّة وقناة التواصل مع مختلف الأطراف في مدينة صيدا، بما في ذلك ما كان يُعرف بـ”مربّع الشيخ أحمد الأسير”.
لماذا الآن؟
تكمن أهمية هذه الشهادة في قدرتها على تفكيك شيفرات الرواية الأمنية التي استندت إليها الأحكام الغيابية السابق بحق شاكر، قبل أن يُسلّم نفسه للقضاء. وبحسب القراءة القانونية، يهدف الدفاع من وراء “شهادة الضابط الرفيع” إلى إثبات النقاط التالية:
قنوات التواصل: إثبات أنّ شاكر كان على تواصل مع الأجهزة الأمنيّة قبل وأثناء اندلاع أحداث عبرا، وهذا ما قد ينفي عنه صفة “التآمر” أو “العداء المبيَّت”.
تحديد الأدوار: وذلك عبر التمييز بين ما كان يُعرف بـ”مجموعة الشيخ أحمد الأسير” ووضعية فضل شاكر الشخصية، ومدى صحّة محاولات “تسوية وضعه” الأمنيّ والقانوني التي كانت تجري في الكواليس الأمنيّة قبل “الانفجار الكبير” في عبرا. خصوصًا أن شاكر سبق وأن صرّح أمام القضاء أنه كان على تواصل مع مخابرات الجيش قبل أحداث عبرا بهدف تسليم الأسلحة التي كانت بحوزة المجموعة المسؤولة عن حمايته الشخصية، وأنه كان يعمل على تسوية أمورهم القانونية تمهيدًا للخروج من عبرا بعد الاشكال الذي حصل بينه وبين الأسير.
تحديد سياق الفيديوهات: تقديم تفسير ميداني لظهور فضل شاكر في مقاطع الفيديو الشّهيرة التي انتشرت حينها، ووضعها في إطارها الزمني والمكاني بعيدًا عن التأويلات الجنائية المُتشدّدة.
إنّ استدعاء الضابط المعنيّ للشهادة يعكس جدية المحكمة العسكرية في الوصول إلى الحقيقة الميدانية، ويتجاوز مجرد المحاكمة الورقية إلى المحاكمة الوقائعية، بحسب المصادر القضائية.
المسار القضائي: نحو تسوية أم مواجهة؟
لسنوات طويلة، عاش شاكر في مُخيّم “عين الحلوة” للاجئين الفلسطينيين، حيث كان محاصرًا بالأحكام الغيابيّة بحقّه، والتي وصلت إلى السجن 22 عامًا مع الأشغال الشاقة. وعلى الرغم من المحاولات المُتكررة لفتح كوة في جدار ملفّه، بقيت “عقدة عبرا” هي العائق الأساسي.
تؤكد معلومات “المدن” أنّ جلسة السادس والعشرين من أيار لن تكون مجرد جلسة عاديّة. فالحضور (المفترض) للشاهد الرفيع سيضع المحكمة العسكرية أمام مسؤولية موازنة الحقائق الأمنية بشهادة من كان “عين الدولة” في صيدا وجوارها آنذاك. وتضيف المصادر أنّ هذه الشهادة قد تمهد الطريق لتخفيف الأحكام أو حتى إعادة توصيف الجرم برمّته، ما قد يسمح لشاكر بالوصول إلى ختامٍ قضائي عادل لملفّه الأكثر حساسيّة.
خلاصة المشهد
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستكشف شهادة “العميد” ما لم تلفه المحاضر الأمنيّة طوال عقدٍ من الزمن؟ أم سيؤكد بشهادته ما ورد في محاضر الدولة حينذاك؟ وهل سيجرؤ القضاء العسكريّ على تبنّي رواية قد تُبرئ فضل شاكر من دماء العسكريين؟ وهو الخط الأحمر الذي طالما تمسَّك به الجميع.
الأكيد أنّ جلسة “نهاية أيّار” ستكون “موقعة قانونيّة” بامتياز، حيث تتحول منصّة المحكمة من محاكمة فضل شاكر إلى تشريح دقيق لواحدٍ من أصعب وأدقّ الملفّات الأمنية في تاريخ لبنان الحديث، تحت سقف “العدالة العسكريّة”، وبانتظار ما ستحمل الحقائق المكتومة خلف رُتب الأقدميّة وشهادة المرحلة. كما ترجح المصادر نفسها أن هذه الجلسة ستكون الأخيرة للاستماع للشهود، على أن تخصص الجلسة التي تليها لمرافعة وكيلة الدفاع عن فضل المحامية أماتا مبارك ومن ثم تُحدد الجلسة الأخيرة لاصدار الحكم.
( المدن)
