نزيه حمد : الكرامة ليست ترفًا.. قراءة في وطن يُدار بالاستهلاك

حين يُستهلَك الإنسان… يُستهلَك الوطن
قراءة في العمل بلا كرامة، والمسؤولية التي تتحوّل إلى مِنّة

في وطنٍ كان يُفترض أن يكون مساحة أمان، صار الإنسان يُقاس بما يقدّمه أكثر مما يُقاس بما يستحقّه. لم يعد السؤال عن الكرامة أو العدالة في صدارة المشهد، بل عن القدرة على العمل، وعلى الصبر، وعلى تحمّل الأعباء بصمت، من دون إرباك الواقع أو رفع الصوت. ومع ذلك، يبقى هذا الواقع حالة يمكن تصحيحها متى استُعيد الوعي بدور الإنسان وقيمته.
تحوّل الوطن، تدريجيًا، إلى ما يشبه المزرعة. يُسأل الناس عمّا يستطيعون إنتاجه، وكم يمكنهم الاحتمال، لا عمّن هم ولا عمّا يحتاجونه ليعيشوا بكرامة. صار العمل واجبًا دائمًا، فيما أصبح السؤال عبئًا. غير أن الأوطان لا تُبنى بالعمل وحده، بل بالمعنى الذي يُعطى لهذا العمل، وبالإحساس بأن الجهد ليس مستباحًا ولا منسيًا.
في هذا الواقع، يجلس من يديرون بعيدًا عن الواجهة، يراقبون الأرقام والنتائج، ويحصون الغلال، فيما يبقى التعب واضحًا على الوجوه. تُتَّخذ القرارات بهدوء: من يستمر، ومن يُستبدل، وكأن الإنسان مجرّد تفصيل قابل للتغيير. ومع ذلك، فإن إعادة الإنسان إلى قلب القرار ليست مستحيلة، بل تبدأ حين يُدرك أصحاب المسؤولية أن الناس ليسوا أدوات، بل أساس الاستمرار.
تراجعت القيم إلى الخلف. لم تختفِ، لكنها ضعفت. صار الضمير حاضرًا شكليًا، كفزّاعة قديمة لم تعد تخيف أحدًا.
غير أن هذه القيم قادرة على استعادة دورها حين يُعاد الاعتراف بقيمة التعب، وحين يُعاد وصل الأرض بأهلها، لا التعامل معها كمجرّد مساحة إنتاج.
وحين يتعثّر عامل أو يسقط تحت وطأة الإرهاق، يُقال إن التعب أمر طبيعي، وإن الحياة لا تنتظر المتعبين. وحين يرتفع صوت بالسؤال أو الاعتراض، يُطلب منه أن يتقبّل ما يُسمّى “قواعد اللعبة”. لكن لا استقرار بلا عدالة، ولا لعبة تدوم إن لم تكن قواعدها منصفة.
اتّسعت المساحة، لكن الإنسان ضاق. خفَتت الأسئلة، وحلّ الخوف مكانها، لا لأنه أقوى من الحقيقة، بل لأنه أسهل من المواجهة. ومع الوقت، صار الصمت عادة، والتأقلم خيارًا إجباريًا، إلى أن بات الإنهاك عامًا لا يقتصر على الأفراد بل يطال المجتمع بأكمله.
وحين جاء القحط، لم يجدوا من يحمي البذور ولا من يقف في وجه العطش. فمن أُنهك طويلًا يصعب عليه الصمود أخيرًا. سقطت “المزرعة”، لا لأن المطر شحّ، بل لأن القيم جفّت أولًا، ولأن الوطن أُدير بعقلية ترى في الناس وسائل لا شركاء.
ومن هنا، تبرز مسؤولية من يتولّون الشأن العام. فعندما يبني مسؤول مدرسة، أو مستوصفًا، أو أي مشروع عام، نُسارع إلى التصفيق والتمجيد، كأنّه أنجز فضلًا من ماله الخاص، لا واجبًا من صميم مسؤوليته تجاه أهله وناسه. والحقيقة أن هذه المشاريع ليست مِنّة، بل حقّ، وليست إنجازًا استثنائيًا.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تنتجه، بل بما تمنحه لأبنائها من أمان وعدالة واعتراف. كما أن الكلمة الصادقة، حين تُقال في وقتها وبهدوئها، تكون أبلغ من أي خطاب صاخب. فليس كلّ كلام يُقال في كلّ وقت، ولا كلّ فكرة تُقدَّم بالطريقة نفسها.
فلنكن واقعيين: لكل مقامٍ مقال.
وحين تُقال الحقيقة بوعي، لا تُربك الوطن بل تحميه.
فالأوطان لا تنهار فجأة، بل تُستهلَك قطعةً قطعة.
لا يزال في الأوطان متّسع للتصحيح حين يُعاد الإنسان إلى قلب المعادلة. فالكرامة ليست شعارًا، بل أساس الاستمرار، والعمل لا يكون منتجًا إلا حين يُقابَل بالاعتراف والعدالة. وحين يُؤدَّى الواجب العام كمسؤولية لا كمِنّة، يبدأ الوطن بالتعافي… ويستعيد قدرته على البقاء .
نزيه عبدو حمد . رئيس مجموعة نزيه اللبنانية – الخليجية

لمشاركة الرابط: