تسفي برئيل
إن البنود الأربعة عشر في اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقِّع يوم الأحد بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقوات الكردية، تضاف إلى سلسلة الإنجازات السياسية والدبلوماسية التي راكمها الشرع منذ تولّيه السلطة في كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد إسقاطه السريع لنظام الأسد.
وبحسب الاتفاق، سيتم دمج «قوات سورية الديمقراطية»، وهي التنظيم العسكري الكردي الذي أنشأته الولايات المتحدة في سنة 2015، ويُعتبر القوة الأكثر فاعليةً في الحرب ضد تنظيم داعش، في صفوف الجيش السوري. كذلك ستنتقل المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في شمال شرق سورية، في معظمها، وبشكل فوري مدينتا الرقة ودير الزور مع حقول النفط التابعة لهما والمعابر الحدودية والبنى التحتية والمؤسسات الإدارية، إلى سيطرة الحكومة السورية. وستتولى سورية إدارة السجون التي يُحتجز فيها عشرات الآلاف من عناصر داعش وأفراد عائلاتهم، بينما سيغادر الأراضي السورية جميع مقاتلي حزب العمال الكردستاني (PKK)، الشركاء العسكريين للأكراد السوريين، والمصنّفين تنظيماً إرهابياً.
في المقابل، سيحصل الأكراد على اعترافٍ بحقوقهم، بما في ذلك منح الجنسية لمن حُرموا منها خلال حكم الأسد. وقبل ذلك، أصدر الشرع يوم الجمعة الماضي مرسوماً رئاسياً يعترف باللغة الكردية وثقافتها، كذلك سيعيَّن ضباط أكراد كبار في مناصب لائقة داخل الجيش السوري، وستُشكَّل قوة شرطة كردية مسؤولة عن حفظ النظام العام في المناطق الكردية؛
على الورق، فعلاً تبدو كأنها «نقطة تحوُّل تاريخية، اختار فيها الطرفان اللذان كانا خصمَين في الماضي الشراكة، بدلاً من الانقسام،» على حدّ تعبير المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك، الذي صاغ مبادئ الاتفاق. وهكذا، بعد نحو أسبوعين من توصُّل سورية وإسرائيل إلى تفاهمات بشأن إنشاء آلية تنسيق ومراقبة للنشاط العسكري بينهما، يواصل النظام السوري استكمال فرض سيادته على إقليمٍ يشكل نحو ثلث مساحة البلد، وكان يهدد بتقسيم سورية إلى كانتونات.
من وجهة نظر الأكراد، يُعتبر الاتفاق هزيمة مدوية، بل وصفه البعض بالخيانة، في إشارةٍ إلى «خيانة» الولايات المتحدة للتحالف الوثيق الذي نشأ بينها وبين الأكراد، وكان يُعتبر غير قابل للمساس. واعترف مظلوم عبدي، قائد القوات الكردية، بأن الاتفاق فُرض عليهم، وأنه لم يكن أمامهم من خيار سوى قبوله لتجنُّب سفك دماء المدنيين الأبرياء. وخلال الأسبوعين الماضيَين، شنّت قوات النظام حرباً متسارعة ضد القوات الكردية، بدأت في مدينة حلب، ثم امتدت إلى المناطق الكردية، بهدف السيطرة عليها بالقوة. لكن إلى جانب الضغط العسكري السوري، تخلى بعض حلفاء الأكراد، من عشائر وقبائل عربية كانت شريكةً لهم في القتال، عنهم في الأيام الأخيرة، وانضموا إلى قوات النظام، وفي الوقت عينه، هددت تركيا بتشغيل جيشها ضدهم، بينما أوضحت الولايات المتحدة للقيادة الكردية أنها ستوقف دعمها إذا لم تلتزم الانضمام إلى الجيش السوري، وفق ما نصّ عليه اتفاق المبادئ الموقّع في مارس/آذار الماضي.
عملياً، منذ اللحظة التي احتضن فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحمد الشرع في أيار/مايو الماضي ومنحه «أبوة سياسية» هديةً لـ»صديقه المقرب أكثر من اللازم»، ولّي العهد السعودي محمد بن سلمان، بدأ العد التنازلي الكردي؛ فرفعُ العقوبات عن سورية، وانضمامها في كانون الأول/ديسمبر إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، ولا سيما تبنّي المبدأ الأميركي الداعم لسورية موحّدة ذات سيادة وحكم مركزي، هذا كله ضيّق هامش المناورة أمام الأكراد لتحقيق مكاسب تكتيكية، الهامش الذي تحطم على بنود الاتفاق الجديد.
لقد رُفضت مطالبهم بالاندماج في الجيش السوري كوحدة كردية عضوية، لا كأفراد، كذلك رُفضت طموحاتهم إلى إقامة نظام لا مركزي (فيدرالي على شاكلة النموذج العراقي). ولم يعُد واضحاً ما إذا كانوا سيتمكنون من الحصول على حصص مفضلة من إيرادات الدولة، ولا سيما من النفط والغاز ورسوم الجمارك في المعابر الحدودية التي موّلت نشاطهم العسكري وإدارتهم الذاتية. كذلك، باتت مكانتهم كحراس بوابة ورأس حربة في الحرب ضد داعش، والتي أسّست للتحالف بينهم وبين الولايات المتحدة، مرشحة للتلاشي، إذ ينص الاتفاق على أن النظام السوري هو مَن سيتولى إدارة الحرب، وكذلك إدارة سجون معتقلي داعش.
في لعبة محصلتها صفر تُدار في سورية، تشكل خسارة الأكراد مكسباً لتركيا، التي عملت في الأيام الأخيرة خلف الكواليس بالتنسيق مع الولايات المتحدة لإنتاج وقف إطلاق النار والاتفاق. عسكرياً، قد لا يؤدي تنفيذ الاتفاق إلى إبعاد تهديد حزب العمال الكردستاني عن حدودها فحسب، إذا ما تم فعلاً إخراج عناصره من سورية، بل يمكن أن يدفع أيضاً في اتجاه اتفاق مصالحة بينها وبين التنظيم الذي تخوض حرباً دامية ضده منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويوفّر للرئيس رجب طيب أردوغان إنجازاً سياسياً إضافياً.
فالحزب وزعيمه عبد الله أوجلان أعلنا، العام الماضي، استعدادهما لنزع السلاح، بل نفّذا ذلك في مراسم رمزية أحرقت خلالها العشرات من قطع السلاح، ووجّه أوجلان نداءً مماثلاً إلى القوات الكردية في سورية، لكنها ردّت آنذاك بأن دعوته لا تعنيها، وأنها بحاجة إلى السلاح لأسبابها الخاصة. وربما الآن، مع نزع سلاح القوات الكردية في سورية واندماجها في الجيش السوري، لن تعود «حلقة الإرهاب الكردي»، حسبما تصفها تركيا، تشكل تهديداً. وهذا له أهمية كبيرة في مفهوم الأمن القومي التركي، لكن المكسب السياسي لتركيا لا يقلّ أهميةً، إذ يقدم الاتفاق أردوغان كمن يستطيع «تسليم البضاعة» والوفاء بتعهُّده لترامب بتحويل سورية إلى دولة موحدة ذات سيادة، ويُظهر الشرع كحليفٍ فعّال يستحق دعماً أميركياً غير مشروط.
وبذلك، يمنح الاتفاق تركيا أفضلية ملموسة في موازين القوى التي تديرها في مواجهة إسرائيل، في سورية والمنطقة عموماً. فقبل نحو عشرة أيام، وبعد الاشتباكات بين قوات النظام والأكراد في حلب، أصدر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بياناً استثنائياً حذّر فيه من أن «هجمات قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب خطِرة ومُقلقة. والمجتمع الدولي عموماً، والغرب خصوصاً، عليهما دَين أخلاقي تجاه الأكراد الذين قاتلوا بشجاعة ونجاح ضد داعش. إن القمع المنهجي والدموي للأقليات في سورية يتناقض مع الوعود بـ‘سورية جديدة’. إن صمت المجتمع الدولي سيؤدي إلى تصعيد العنف من جانب النظام السوري.» وعندما يتحدث ساعر عن سورية فإنه يقصد أيضاً تركيا، وأيضاً سياسة الولايات المتحدة التي تقيّد هامش الحركة الإسرائيلي في سورية، بتأثيرٍ من تركيا والسعودية، وفي الوقت عينه، تعزز مكانة أردوغان على حساب نتنياهو، كزعيمٍ يساهم في تشكيل واقع الشرق الأوسط.
إلى جانب ذلك، يجب إرفاق الاتفاق السوري – الكردي بعدة تحذيرات؛ فهو لا يزال اتفاق إطار، وإن كان أكثر تفصيلاً من سابقه الذي لم يُنفَّذ، لكنه يحتوي على ألغامٍ قد تفجّره: كيفية دمج القوات الكردية عملياً، وهل سيوافق المقاتلون على الخدمة تحت قيادة سورية، وكيف سيكون وضع القائد مظلوم عبدي، وكيف ستعمل المؤسسات المدنية الكردية، وما هو حجم الاستقلال الثقافي الذي ستتمتع به، وما هو مصير الشركات الأجنبية المشغِّلة لحقول النفط في المناطق الكردية، والأهم: هل سيحظى الاتفاق بقبول السكان والتنظيمات الكردية، أم ستنشأ حركة انفصالية جديدة تسعى لإفشاله؟
هناك قضية مُقلقة أُخرى مرشحة للاشتعال وتتعلق بمستقبل علاقة الأقلية الدرزية بالنظام السوري. حتى الآن، بدا كأن الأكراد والدروز يتماهون في تطلعاتهم إلى إقامة مناطق حكم ذاتي مستقلة ومسلحة تحظى بدعم خارجي؛ فالأكراد راهنوا على الدعم الأميركي، بينما اعتمد الدروز على إسرائيل. ومع سقوط مظلة الحماية الأميركية التي صانت النزعة الانفصالية الكردية، وبقاء الدروز الأقلية الوحيدة التي تشكل تحدياً حقيقياً لعقيدة الوحدة الوطنية السورية، من المتوقع أن يزداد الضغط الأميركي على الدروز، وعلى إسرائيل. وربما تتحول حالة التفهم التي تبديها واشنطن حيال «تحالف الإخوة» الإسرائيلي – الدرزي إلى محاولة، ربما قسرية، لإخضاع الدروز لسلطة النظام المركزي في دمشق.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية
عن ” اللواء”







