بقلم: نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية – الخليجية
لا يمكن لأي اقتصاد وطني أن ينهض من دون قطاع صناعي قوي ومنظم وقادر على المنافسة. فالصناعة ليست مجرد مصانع تنتج السلع، بل ركيزة لخلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
ولبنان، بما يمتلكه من كفاءات بشرية وخبرات صناعية وتجارية وروح ابتكار، قادر على استعادة مكانته الصناعية إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية السليمة.
لكن هذا الطموح يصطدم بواقع مقلق، يتمثل بوجود مصانع تعمل دون التراخيص المطلوبة، بعضها ينتج مواد غذائية وكيميائية ومستحضرات تجميل ومنتجات حساسة، بعيدًا عن الرقابة الكافية ومعايير السلامة.
وهذه الظاهرة لا تهدد صحة المواطن فحسب، بل تسيء إلى سمعة الصناعة اللبنانية، وتخلق منافسة غير عادلة مع المصانع الملتزمة بالقانون.
رسالتنا واضحة: لسنا ضد المصانع، بل مع تنظيمها. ولسنا ضد المستثمرين، بل مع تشجيعهم. ولسنا مع إغلاق أبواب الإنتاج، بل مع فتح أسواق العالم أمامه.
أولًا: تنظيم المصانع غير المرخصة
تبدأ المعالجة بإطلاق مسح وطني شامل، بإشراف وزارة الصناعة وبالتعاون مع الجهات المختصة، لحصر المصانع غير المرخصة وتحديد أنشطتها ومدى التزامها بالشروط الصحية والبيئية.
وأقترح إنشاء سجل إلكتروني وطني يتيح لهذه المؤسسات تسوية أوضاعها ضمن مهلة محددة وإجراءات واضحة.
فالهدف ليس معاقبة من بدأ مشروعًا في ظروف اقتصادية صعبة، بل مساعدته على الانتقال إلى الاقتصاد المنظم. أما المصانع التي تهدد صحة المواطنين أو البيئة، فيجب اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية بحقها.
ثانيًا: تسهيل التراخيص وتشجيع الاستثمار
من غير المقبول أن يرغب مستثمر في إنشاء مصنع وتوفير فرص عمل، ثم يصطدم بإجراءات إدارية معقدة تستغرق أشهرًا أو سنوات.
لذلك، أدعو إلى إنشاء نافذة إلكترونية موحدة لتراخيص المصانع، تحدد المهل القانونية وتتيح متابعة المعاملات بشفافية.
كما أقترح اعتماد موافقة مبدئية للمشاريع المستوفية للشروط الأساسية، تسمح باستكمال التجهيزات دون بدء الإنتاج قبل الحصول على الموافقات النهائية، وإنشاء مكاتب لمساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
فكل مصنع جديد هو فرصة عمل جديدة، وكل استثمار ناجح هو إضافة إلى قوة الاقتصاد الوطني.
ثالثًا: الجودة والرقابة لحماية سمعة لبنان
المنتج اللبناني الذي يصل إلى الأسواق الخارجية لا يحمل اسم المصنع وحده، بل يحمل اسم لبنان وسمعته.
لذلك، يجب تشديد الرقابة على الصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية ومستحضرات التجميل، واعتماد الفحوصات الدورية والمختبرات المؤهلة وأنظمة تتبع المنتجات.
كما ينبغي تعزيز المؤسسات الوطنية المعنية بالمواصفات والجودة، وتطبيق العقوبات على المخالفات الخطرة، مع مساعدة المصانع القابلة لتصحيح أوضاعها.
نريد عبارة «صنع في لبنان» أن تصبح شهادة ثقة وجودة في الأسواق العالمية.
رابعًا: تحفيز الاستثمار ومكافأة المصانع الناجحة
لا تتحقق النهضة الصناعية بالرقابة وحدها، بل بتشجيع المؤسسات المنتجة والمصدّرة.
وأقترح برنامجًا وطنيًا للحوافز يرتبط بحجم الاستثمار، وفرص العمل، وجودة الإنتاج، والقيمة المضافة المحلية، وحجم الصادرات.
ويشمل تخفيضات ضريبية مدروسة، وتسهيلات جمركية على المعدات الإنتاجية، وتمويلًا ميسرًا لتحديث المصانع.
كما أدعو إلى تخصيص جوائز وطنية سنوية للمصانع المتميزة، وتكريم المؤسسات التي تتجاوز صادراتها مليوني دولار سنويًا لثلاث سنوات متتالية، بشهادات تقدير وأوسمة وامتيازات اقتصادية مشروعة وفق القانون.
فمن يستثمر في لبنان، ويوظف شبابه، ويدخل العملات الأجنبية إلى اقتصاده، يستحق دعم الدولة وتقديرها.
خامسًا: وزارة الصناعة… من منح التراخيص إلى فتح الأسواق العالمية
هنا تكمن إحدى أهم ركائز الإصلاح.
فلا يجوز أن يقتصر دور وزارة الصناعة على التراخيص والرقابة، بل يجب أن تصبح شريكًا فاعلًا في تطوير الإنتاج وفتح الأسواق الخارجية.
وأقترح إطلاق برنامج للدبلوماسية الصناعية، بالتعاون مع وزارتي الخارجية والاقتصاد، يقوم على التفاوض مع الدول الصديقة والشقيقة لتسهيل دخول المنتجات اللبنانية إلى أسواقها.
ويشمل تخفيض العوائق التجارية، والتعاون في المواصفات وشهادات المطابقة، وتسهيل تسجيل المنتجات، وتشجيع الشراكات الصناعية ونقل التكنولوجيا، وتنظيم المعارض والبعثات التجارية.
كما يجب تفعيل دور السفارات اللبنانية في التعريف بالصناعة الوطنية والتواصل مع المستوردين، وإنشاء وحدة متخصصة داخل وزارة الصناعة لمتابعة الفرص التصديرية والعقبات الخارجية.
فالمصنع اللبناني لا يحتاج فقط إلى ترخيص للإنتاج، بل إلى دولة تساعده على بيع إنتاجه في العالم.
سادسًا: إنشاء صندوق وطني لدعم الصادرات
تواجه المصانع الصغيرة والمتوسطة صعوبات مالية وتسويقية عند دخول الأسواق العالمية.
لذلك، أقترح إنشاء صندوق وطني لدعم الصادرات الصناعية، ضمن إطار قانوني ورقابي شفاف، يساعد المصانع الملتزمة بالمواصفات على الحصول على شهادات الجودة، وإجراء الفحوصات، والمشاركة في المعارض، وتطوير التغليف والتسويق.
كما ينبغي توفير آليات لضمان ائتمان الصادرات وتمويلها، وربط المساعدات بنتائج قابلة للقياس، تشمل زيادة الصادرات وفتح الأسواق وخلق فرص العمل.
فالمال العام المخصص للصناعة يجب أن يتحول إلى إنتاج وعائد اقتصادي حقيقي.
سابعًا: خطة وطنية بمواعيد ونتائج واضحة
الإصلاح الصناعي لا يتحقق بالشعارات، بل بخطة تنفيذية محددة.
وأقترح أن تبدأ الحكومة خلال السنة الأولى بالمسح الوطني للمصانع، وإنشاء السجل الإلكتروني، وتبسيط التراخيص، وتعزيز الرقابة، وإطلاق الحوافز الصناعية والتصديرية.
وبالتوازي، تبدأ المفاوضات الاقتصادية لفتح أسواق جديدة، مع نشر تقارير دورية عن المصانع التي سُوّيت أوضاعها، والاستثمارات الجديدة، وفرص العمل، ونمو الصادرات.
فالمواطن يريد أن يرى المصانع تعمل، والشباب يتوظفون، والمنتجات اللبنانية تنافس عالميًا.
ختامًا: لبنان بلد الإنتاج لا الاستهلاك فقط
بعد أكثر من خمسين عامًا من العمل في التجارة والتعامل مع المصانع والأسواق الدولية، أصبحت مقتنعًا بأن لبنان يمتلك قدرات صناعية تفوق واقعه الحالي بكثير.
مشكلتنا ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب السياسات المستقرة التي تنظم الإنتاج وتحمي الاستثمار وتشجع النجاح.
نريد دولة تحاسب من يهدد صحة الناس، وتحتضن من ينتج ويلتزم بالقانون.
نريد دولة تسهّل إنشاء المصانع، وتكافئ المصدّرين، وتفتح الأسواق أمام الإنتاج الوطني.
ونريد وزارة صناعة لا تنتظر المستثمر على بابها، بل تبادر إلى فتح أبواب العالم أمام منتجاته.
إن مستقبل لبنان لا يُبنى بالاستيراد والاستهلاك وحدهما، بل بالإنتاج والاستثمار والتصدير.
فلننتقل من اقتصاد ينتظر الفرص إلى اقتصاد يصنعها، ومن دولة تضع العقبات أمام الصناعي إلى دولة تفتح له أبواب العالم.
لبنان يستطيع أن يصنع، ويبدع، وينافس، ويصدّر… إذا امتلكنا الإرادة والرؤية والشجاعة لاتخاذ القرار.
شريط الأخبار
- نازك رفيق الحريري في ذكرى ميلاد الرئيس الشهيد: حضورك أقوى من غيابك ولبنان بأمسّ الحاجة
- التجربة اللبنانية على ضوء أحداث الأردن بقلم ..الدكتور داود الصايغ
- نزيه حمد يطرح رؤية لإنقاذ الصناعة اللبنانية
- مسيرة خيرية في العاصمة الأردنية عمّان للتوعية من سرطان الثدي
- وزارة الزراعة تنقذ ضبعاً عالقاً بمصيدة في عكار وتعيده إلى موطنه الطبيعي
- الكعكي والقصيفي يرفضان استدعاء الصحافيين إلى المخافر ويحذّران من ملاحقتهم بموجب المادة 104
- جامعة تركية تكشف المستور.. ولبناني يقع في قبضة امن الدولة
- بالأسماء: الإدّعاء على 8 أشخاص في ملفّ شحنة المتفجرات
