بقلم نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية – الخليجية
لبنان لا يحتاج إلى انتصار فريق على آخر، بل إلى دولة تنتصر فيها العدالة، وتُصان فيها كرامة المواطن، ويكون الولاء للوطن فوق كل انتماء.
ليست كل أغلبية على حق، وليست كل نتيجة تصويت عادلة. فالديمقراطية الحقيقية لا تُختصر بحكم الأكثرية، ولا تُقاس فقط بعدد الأصوات والمقاعد، بل بقدرتها على حماية حقوق الجميع، وصون كرامة الإنسان، وتحقيق العدالة، ومنع استغلال القوة السياسية على حساب المصلحة الوطنية.
فالأكثرية قد تمنح القرار شرعيته العددية، لكن العدالة وحدها تمنحه قيمته الأخلاقية والوطنية.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية التي واجهها لبنان على مدى عقود. لقد انشغلنا كثيرًا بمن يمتلك الأكثرية، ونسينا أن نسأل من يمتلك الرؤية، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يملك القدرة والإرادة على بناء الدولة وخدمة المواطن.
لم تكن مشكلة لبنان يومًا في تنوع طوائفه ومذاهبه، بل في تحويل هذا التنوع، الذي كان يفترض أن يكون مصدر غنى وقوة، إلى وسيلة للتنافس على السلطة والنفوذ وتقاسم المؤسسات.
وأصبح السؤال في كثير من المحطات السياسية: كم نائبًا نملك؟ وكم وزيرًا نحصل عليه؟ وما حصتنا من الدولة؟ بدلًا من السؤال الأهم: ماذا قدمنا للبنان؟ وماذا حققنا للمواطن؟ وما المشروع الذي نحمله للأجيال القادمة؟
وهكذا تحولت الديمقراطية، في بعض ممارساتها، من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة لتقاسمها، ومن تنافس على البرامج والإنجازات إلى صراع على المواقع والمكاسب.
لكن لبنان أكبر من أن يُختصر بأكثرية نيابية، وأعظم من أن يُدار بعقلية الغالب والمغلوب.
فما قيمة أن تربح أكثرية سياسية تصويتًا، بينما يخسر المواطن حقه في الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء؟ وما قيمة الانتصار في معركة سياسية إذا كان ثمنه المزيد من الهجرة والفقر وتراجع المؤسسات وضياع فرص الشباب؟ وما قيمة السلطة إذا كانت عاجزة عن حماية كرامة الإنسان وتأمين مستقبله؟
إن الديمقراطية التي لا تحقق العدالة، ولا تضمن المساواة أمام القانون، ولا تحاسب الفاسد، ولا تحمي الضعيف، تبقى ديمقراطية ناقصة مهما كانت نتائج صناديق الاقتراع.
فصندوق الاقتراع يمنح المسؤول تفويضًا لإدارة الشأن العام، لكنه لا يمنحه الحق في احتكار الوطن أو تجاهل حقوق الآخرين. الوطن ليس جائزة يحصل عليها الفائز في الانتخابات، بل أمانة يتحمل مسؤوليتها أمام جميع المواطنين، بمن فيهم الذين لم يصوتوا له.
ومن هنا، فإن أحد أهم التحديات التي تواجه لبنان اليوم هو الانتقال من ثقافة الولاء للأشخاص والطوائف إلى ثقافة الولاء للدولة والقانون والمؤسسات.
لا يمكن بناء دولة قوية إذا بقي المواطن يشعر بأن حماية حقوقه تحتاج إلى زعيم، وأن الحصول على فرصة عمل يحتاج إلى واسطة، وأن العدالة تختلف باختلاف الانتماء السياسي أو الطائفي.
الدولة العادلة هي التي يشعر فيها كل لبناني، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الساحل إلى البقاع والجبل، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات، وأن كرامته مصونة بقوة القانون لا بحماية أصحاب النفوذ.
ولا يعني ذلك إلغاء خصوصياتنا أو التنكر لتنوعنا، بل الارتقاء بهذا التنوع ليصبح قوة وطنية جامعة. فالانتماء إلى الطائفة لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الانتماء إلى الوطن، والاختلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى عداوة وطنية.
نحن لا نحتاج إلى لبنان ينتصر فيه فريق على فريق، بل إلى لبنان ينتصر فيه الجميع من خلال دولة عادلة وقوية.
ومن حق الأكثرية أن تحكم وفق الدستور، ومن حق الأقلية أن تعارض وتراقب وتحاسب. لكن ليس من حق أي منهما تعطيل الدولة أو احتكار الحقيقة أو التضحية بالمصلحة الوطنية من أجل مكاسب سياسية.
فالديمقراطية الناضجة لا تخاف من المعارضة، بل تعتبرها ضرورة لتصحيح الأخطاء ومنع الاستبداد. كما أن المعارضة المسؤولة لا تكتفي بالرفض، بل تقدم البدائل والحلول، وتشارك في حماية المؤسسات والمصلحة العامة.
لقد آن الأوان لتغيير معايير النجاح السياسي في لبنان.
نحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة يكون فيها التنافس على من يبني مدرسة أفضل، ومن يطور مستشفى، ومن يخلق فرص عمل، ومن يجذب الاستثمارات، ومن يحمي المال العام، ومن يعيد الثقة إلى مؤسسات الدولة.
نحتاج إلى أن تصبح الإنجازات معيارًا للنجاح، لا حجم التحالفات، ولا عدد الشعارات، ولا القدرة على تعبئة الشارع.
ورغم كل ما مر به لبنان من أزمات وحروب وانقسامات، فإنني ما زلت أؤمن بأن هذا الوطن يمتلك مقومات النهوض.
لدينا الإنسان المتعلم، والطاقات الشابة، والخبرات الاقتصادية، والانتشار اللبناني الواسع في العالم، والموقع الجغرافي المميز، والإرث الثقافي، وروح المبادرة التي ميزت اللبنانيين عبر الأجيال.
لقد أثبت اللبنانيون نجاحهم في مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في بناء اقتصادات ومؤسسات وشركات ناجحة. فلماذا لا نستطيع أن نبني في وطننا ما ساهمنا في بنائه في أوطان الآخرين؟
المشكلة ليست في قدرات اللبنانيين، بل في طريقة إدارة الدولة، وفي غياب التخطيط طويل الأمد، وضعف المحاسبة، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
وإذا أردنا أن ننهض فعلًا، فعلينا أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن توزيع الحصص إلى توزيع الفرص، ومن حماية الزعامات إلى حماية المؤسسات، ومن انتظار الحلول إلى المبادرة لصناعتها.
فالدول لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالعمل والانضباط والمحاسبة، وبناء المؤسسات، واحترام القانون، ووضع الإنسان في قلب السياسات العامة.
إن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يدرك المواطن أن صوته ليس مجرد رقم يضاف إلى رصيد زعيم أو حزب، بل مسؤولية تجاه أولاده وأحفاده ومستقبل وطنه. ويبدأ أيضًا عندما يدرك المسؤول أن المنصب ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف لخدمة الناس.
ولا يجوز أن نفقد الأمل بلبنان، أو أن نسمح للإحباط بأن يتحول إلى استسلام. فالشعوب التي تصنع مستقبلها ليست تلك التي تنتظر من ينقذها، بل تلك التي تؤمن بقدرتها على التغيير، وتملك الشجاعة لمراجعة أخطائها، والإصرار على بناء مستقبل أفضل.
إنني أحلم بلبنان لا يُسأل فيه المسؤول عن طائفته، بل عن كفاءته ونزاهته وإنجازاته. لبنان لا يخاف فيه الإنسان من التعبير عن رأيه، ولا يحتاج فيه إلى حماية سياسية للحصول على حقوقه. لبنان يتنافس فيه السياسيون على التنمية لا على النفوذ، وعلى خدمة المواطن لا على تقاسم الدولة.
لبنان تكون فيه الأكثرية مسؤولة لا متسلطة، والأقلية شريكة في الوطن لا مهمشة، والقانون فوق الجميع.
فلنتذكر دائمًا أن الأكثرية قد تكسب انتخابات، لكنها لا تكسب ثقة الأجيال إلا بالعدل والإنجاز. وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على فرض القرار، بل في القدرة على جمع الناس حول مشروع وطني عادل.
إن مستقبل لبنان لن يصنعه من يرفع صوته أكثر، بل من يعمل أكثر. ولن يبنيه من يملك العدد الأكبر، بل من يمتلك الرؤية الأوضح والإرادة الأصدق.
لبنان لا يحتاج إلى منتصرين على بعضهم البعض، بل إلى شعب ينتصر لوطنه.
ولا نريد ديمقراطية تنتج غالبًا ومغلوبًا، بل ديمقراطية تنتج دولة عادلة، ومواطنًا حرًا، ووطنًا يستحق أن نعيش فيه، وأن نورثه لأبنائنا وأحفادنا بفخر.
