بقلم نزيه عبدو حمد رئيس مجموعة نزيه اللبنانية – الخليجية
يعلّمنا علم الإدارة أن الدول والمؤسسات، وحتى الأفراد، لا تنجح بالأمنيات ولا بردود الأفعال، بل تحتاج إلى عنصرين متكاملين: استراتيجية تحدد إلى أين نريد أن نصل، وتكتيك يحدد كيف نصل إلى هناك.
فالاستراتيجية هي الرؤية والهدف والاتجاه، أما التكتيك فهو مجموعة القرارات والأدوات والخطوات التي تحوّل هذه الرؤية إلى واقع. والعلاقة بينهما علاقة تكامل لا استبدال؛ إذ لا قيمة لاستراتيجية ممتازة إذا بقيت حبرًا على ورق، كما أن امتلاك القدرة والإمكانات على التنفيذ من دون خطة واضحة يشبه الجري بسرعة في الاتجاه الخاطئ.
ومن هنا يمكن قراءة جانب أساسي من أزمة لبنان.
فمشكلتنا ليست فقط في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل في أننا، على مدى عقود، اعتدنا إدارة الأزمات أكثر مما خططنا لإدارة المستقبل. ننتقل من أزمة إلى أخرى، ونبحث في كل مرة عن حلول آنية، فيما يبقى السؤال الأساسي غائبًا أو مؤجلًا: أي لبنان نريد بعد عشرين عامًا؟
هل نريد لبنان مركزًا للتعليم والجامعات؟ أم للاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا؟ أم للسياحة والخدمات الصحية؟ أم للصناعات المتخصصة والإبداع وريادة الأعمال؟ وكيف نستفيد من موقع لبنان وعلاقاته العربية والدولية وانتشاره الواسع في العالم؟
والأهم: أين سيكون شباب لبنان في هذه الرؤية؟
هذا السؤال يجب أن يكون في صميم أي استراتيجية وطنية، لأن أخطر ما يمكن أن يخسره لبنان اليوم ليس المال وحده، ولا المباني ولا المؤسسات، بل الإنسان، وخصوصًا الشباب.
عندما يتخرج الشاب اللبناني من جامعته ويصبح سؤاله الأول: «إلى أي بلد أهاجر؟»، بدل أن يكون: «ماذا أستطيع أن أبني في بلدي؟»، فنحن أمام مشكلة تتجاوز الاقتصاد إلى مستقبل الوطن نفسه.
لقد استثمرت العائلات اللبنانية الكثير في تعليم أبنائها، وتحملت أعباء كبيرة لكي تمنحهم أفضل فرص التعليم والتخصص، ثم نجد أن دولًا واقتصادات أخرى تستفيد من هذه الطاقات والخبرات. وبذلك نكون، من حيث لا ندري، نصدّر أغلى ما يملكه لبنان: طاقته البشرية.
ولا يمكن معالجة ذلك بمجرد مطالبة الشباب بالبقاء أو مخاطبة عاطفتهم الوطنية. فحب الوطن مهم، لكن الشاب يحتاج أيضًا إلى فرصة عمل، واستقرار، وعدالة، وإدارة تحترمه، وقانون يحميه، واقتصاد يسمح له بأن يبدع ويؤسس مشروعًا ويكوّن عائلة ويعيش بكرامة.
لبنان، في الحقيقة، لا تنقصه مقومات النجاح.
لدينا شعب متعلم، وجامعات عريقة، وقطاع خاص يمتلك خبرات واسعة، ورجال وسيدات أعمال نجحوا في لبنان والعالم، وانتشار لبناني هائل، وشباب أثبتوا قدرتهم على النجاح في الطب والهندسة والتكنولوجيا والإدارة والتجارة والصناعة والفنون وريادة الأعمال.
لكن امتلاك الإمكانات شيء، وحسن إدارتها شيء آخر.
وهنا تحديدًا تأتي أهمية الاستراتيجية.
نحتاج إلى رؤية وطنية اقتصادية وتنموية تمتد لعشرين عامًا، ولا تتغير كلما تغيرت حكومة أو تبدل وزير. رؤية تحدد بوضوح أين نريد أن يكون لبنان، وما هي القطاعات التي نملك فيها ميزات تنافسية، وكيف يمكن أن نخلق من خلالها عشرات آلاف فرص العمل للشباب.
لكن الرؤية وحدها لا تكفي.
إذا كانت الاستراتيجية تقول مثلًا إننا نريد أن يصبح لبنان مركزًا إقليميًا لاقتصاد المعرفة وريادة الأعمال، فإن التكتيك يجب أن يجيب عن أسئلة عملية: كيف نطور التعليم؟ كيف نربطه بحاجات سوق العمل؟ كيف نمول المشاريع الناشئة؟ كيف نخفف البيروقراطية؟ كيف نشجع الاستثمار؟ وكيف نستقطب جزءًا من خبرات ورؤوس أموال اللبنانيين المنتشرين في العالم؟
وإذا أردنا تطوير الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، فعلينا أن نحدد لكل قطاع أهدافًا واضحة، وبرامج تنفيذ، ومهلًا زمنية، وجهات مسؤولة، ومؤشرات تقيس النتائج.
هنا نصل إلى واحدة من مشكلاتنا الأساسية: ثقافة التنفيذ.
فلبنان لم تنقصه يومًا الدراسات ولا المؤتمرات ولا الخطط. لدينا الكثير منها، لكن الفارق بين الدول التي تتقدم والدول التي تتراجع ليس دائمًا في جودة الأفكار، بل في القدرة على تحويلها إلى قرارات ومشاريع ونتائج.
في الإدارة، لا يكفي أن تقول ماذا تريد أن تحقق؛ عليك أن تحدد من المسؤول، ومتى يبدأ، ومتى ينتهي، وما الكلفة، وكيف تقيس النجاح، ومن يحاسب عند الفشل.
وهذا ما نحتاج إليه في إدارة الدولة.
علينا أن ننتقل من ثقافة إدارة الأزمة إلى ثقافة إدارة المستقبل، ومن التفكير في كيفية تجاوز المشكلة المقبلة إلى التفكير في كيفية منعها أصلًا.
كما علينا أن نعيد النظر إلى الانتشار اللبناني في العالم. فاللبنانيون في الخارج ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية. إنهم شبكة هائلة من الخبرات والعلاقات والمعرفة ورؤوس الأموال والأسواق.
يجب أن يصبح الاغتراب شريكًا استراتيجيًا في التنمية، من خلال الاستثمار، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وفتح الأسواق أمام المنتجات اللبنانية، وربط رواد الأعمال الشباب بنظرائهم اللبنانيين والعرب والدوليين.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل الشباب من دون تنمية المناطق.
فالفرصة يجب ألا تكون حكرًا على العاصمة أو المدن الكبرى. الشاب في الجنوب والبقاع والشمال والجبل يجب أن يستطيع أن يعمل ويستثمر ويؤسس مشروعه في منطقته. وهنا تصبح التنمية المتوازنة واللامركزية الاقتصادية جزءًا من الاستراتيجية الوطنية، لا مجرد مطلب مناطقي.
إن السياسة في معناها الحقيقي ليست فقط إدارة الخلافات والصراعات، بل إدارة حياة الناس ومستقبل أبنائهم.
فالمواطن يريد الكهرباء والماء والتعليم والصحة والأمان والعدالة والعمل. والشاب يريد أن يشعر بأن النجاح في وطنه ممكن، وأن الكفاءة يمكن أن تتقدم على الواسطة، وأن القانون يحمي الجميع، وأن مستقبله لا يتوقف على انتمائه السياسي أو الطائفي أو المناطقي.
وهذه المطالب لا طائفة لها.
البطالة لا تسأل الشاب عن طائفته، والهجرة لا تميز بين منطقة وأخرى، وعندما يغادر طبيب أو مهندس أو باحث أو رائد أعمال شاب، فإن الخسارة تقع على لبنان كله.
لذلك، ربما تكون التنمية الاقتصادية والاجتماعية إحدى أهم المساحات التي يمكن أن يلتقي حولها اللبنانيون، لأن المصلحة هنا واحدة: أن نبني دولة يستطيع أبناؤنا أن يروا مستقبلهم فيها.
لدينا جيل جديد متعلم، منفتح على العالم، يمتلك المعرفة والتكنولوجيا والطموح، لكنه في المقابل أقل استعدادًا لانتظار الوعود سنوات طويلة.
وهنا تكمن مسؤوليتنا.
إما أن نقدم لهذا الجيل مشروع وطن يستطيع أن يؤمن به ويشارك في بنائه، أو نستمر في مشاهدة أفضل طاقاتنا وهي تحمل حقائبها وتبحث عن مستقبلها في مكان آخر.
لبنان اليوم بحاجة إلى بوصلة.
الاستراتيجية هي هذه البوصلة، والتكتيك هو الطريق، والتنفيذ هو الحركة، والمحاسبة هي الضمانة لعدم الانحراف عن الهدف.
أما أن نتحرك من دون رؤية، أو نضع الرؤى من دون تنفيذ، فسنظل ندور في الحلقة نفسها، مهما كانت نياتنا جيدة وإمكاناتنا كبيرة.
لبنان لا يحتاج إلى اختراع نفسه من جديد، فمقومات النجاح موجودة فيه وفي أبنائه وفي انتشاره حول العالم. ما يحتاج إليه هو أن يعرف ماذا يريد، وأن يضع الإنسان والشباب في قلب أولوياته، وأن يحوّل الرؤية إلى خطة، والخطة إلى عمل، والعمل إلى نتائج.
فالاستراتيجية تجيب عن سؤال: ماذا نريد؟ والتكتيك يجيب: كيف نصل؟ أما القيادة الحقيقية فتُقاس بقدرتها على تحويل الاثنين إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته.
لقد أمضينا وقتًا طويلًا في إدارة أزمات لبنان.
وحان الوقت أن نبدأ بإدارة مستقبله.
شريط الأخبار
- لبنان بين غياب الاستراتيجية وهجرة الشباب… وطن يحتاج إلى رؤية وتنفيذ
- “جدوى” تكرّم الرئيس السابق للكشاف المسلم القائد عمر سلطاني
- دورية إسرائيلية تحقّق مع رئيس بلدية كفرشوبا
- بعد تأخيرات متكررة.. تسلا تلمح لإطلاق سيارتها رودستر “الخارقة”
- اليوم الثاني من رالي لبنان الدولي : روجيه فغالي في الطليعة أمام باسل أبو حمدان وأليكس فغالي
- الفيلم الوثائقي “نازا” (NAZA) عن غزة يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية
- رئيس الـ”فيا” محمد بن سلّيم وصل الى بيروت بدعوة من رئيس ال ATCL
- “لا أحد فوق القانون “… “المستقبل” ينعى أبو جمال سعدو بعد إشكال برج أبي حيدر ويدعو إلى ضبط النفس
