في بلد تُسجَّل فيه الحوادث بالمفرق، لم يعد انقلاب السيارات حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى مشهد يكاد يكون يوميًا خلال فصل الصيف. والغريب أن هذا النوع من الحوادث يرتفع في الأشهر التي يفترض أنها الأكثر أمانًا، بينما ينخفض نسبيًا في الشتاء، رغم الأمطار والانزلاقات. فهل أصبحت شمس الصيف أخطر من عواصف الشتاء؟ أم أن المشكلة في مكان آخر؟
مراجعة أرشيف الحوادث خلال السنوات الماضية تكشف بوضوح أن حوادث انقلاب السيارات تتزايد مع بداية موسم الاصطياف، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة التي تحصد أرواحًا وتخلّف إصابات وإعاقات دائمة.
لا شك أن عودة عشرات آلاف اللبنانيين المنتشرين إلى وطنهم خلال الصيف تلعب دورًا في ارتفاع الحركة المرورية. فهؤلاء يقودون على طرق تختلف كليًا عن تلك التي اعتادوها في الدول التي يعيشون فيها. هناك طرق مضاءة، وإشارات واضحة، وحفر تُصلح خلال ساعات، ومطبات تُنفذ وفق مواصفات هندسية دقيقة. أما في لبنان، فالسائق يواجه مغامرة حقيقية منذ اللحظة الأولى: حفرة قد تبتلع إطار السيارة، ومطبًا يظهر فجأة من العدم، ومنعطفًا بلا أي لوحة تحذيرية، وعتمة حالكة على طرق يفترض أنها شرايين رئيسية.
لكن المشكلة ليست في المنتشرين، بل في دولة غائبة عن أبسط واجباتها.
كيف يُعقل أن يبقى طريق رئيسي مليئًا بالحفر لأشهر من دون صيانة؟ وكيف تسمح الدولة بأن تتحول الطرق إلى ساحات تجارب لكل بلدية تريد إقامة مطب كيفما تشاء؟ بعض المطبات يكاد يكون جدارًا إسمنتيًا أكثر منه وسيلة لتخفيف السرعة، وبعضها الآخر لا يحمل أي طلاء عاكس أو إشارة تحذير، فيتفاجأ به السائق، خصوصًا ليلًا، فيفقد السيطرة على مركبته، لتنقلب خلال ثوانٍ.
البلديات تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، لكن المسؤولية الأكبر تقع على الوزارات والإدارات التي تركت كل جهة تعمل وفق مزاجها، من دون رقابة أو محاسبة أو معايير موحدة.
ثم يأتي السؤال الأكبر: أين المعنيين ؟ أين خطط الصيانة الوقائية؟ أين الإنارة؟ أين إعادة تخطيط الطرق؟ أين الإشارات المرورية التي اختفت تحت الشمس والمطر منذ سنوات؟ وأين معالجة النقاط السوداء التي يعرفها الجميع وتتكرر فيها الحوادث نفسها عامًا بعد عام؟
أما وزارة الداخلية، فلا يكفي أن تعلن عن تنظيم محاضر ضبط بين الحين والآخر. الردع الحقيقي لا يكون بالكاميرات وحدها، بل بتأمين بيئة قيادة آمنة، وبمراقبة تنفيذ معايير السلامة على الطرق، وبمنع أي جهة من العبث بالبنية التحتية.
ولا يمكن إعفاء السائقين من المسؤولية. فهناك من يقود وكأنه على حلبة سباق، لا على طرق جبلية ضيقة بالكاد تتسع لسيارتين. سرعة زائدة، تجاوزات خطرة، استخدام الهاتف أثناء القيادة، عدم ربط حزام الأمان، واستعراضات متهورة، كلها عوامل تجعل أي حفرة أو مطب أو منعطف سببًا كافيًا لانقلاب السيارة.
المعادلة في لبنان قاتلة: طرق خطرة وسائقون متهورون، والنتيجة ضحايا أبرياء.
والأخطر أن ثقافة السلامة المرورية لا تزال غائبة. فلا حملات توعية مستمرة، ولا برامج تدريب للسائقين، ولا تقييم دوري للطرق، وكأن أرواح الناس مجرد أرقام تُضاف إلى إحصاءات نهاية العام.
المؤلم أن كل حادث يعاد التعامل معه بالطريقة نفسها. تصل فرق الإسعاف، تُنقل الإصابات، تُنشر صور السيارة المقلوبة، تُكتب بيانات التعزية، ثم يُقفل الملف… إلى أن تنقلب سيارة أخرى في اليوم التالي. لا أحد يسأل لماذا انقلبت، ولا أحد يحاسب المسؤول عن الحفرة أو المطب أو انعدام الإنارة أو غياب الإشارة.
في الدول التي تحترم حياة مواطنيها، يشكل تكرار الحوادث في نقطة معينة حالة طوارئ تستدعي تحقيقًا هندسيًا فوريًا وإجراءات عاجلة. أما في لبنان، فيتحول المكان نفسه إلى مصيدة دائمة، تحصد الضحية تلو الأخرى، فيما يكتفي المسؤولون بالمشاهدة.
إن حماية الناس ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل واجب دستوري وأخلاقي. ومن غير المقبول أن يبقى المواطن اللبناني مهددًا بالموت ليس بسبب حرب أو كارثة طبيعية، بل لأنه مرّ فوق حفرة، أو اصطدم بمطب عشوائي، أو دخل منعطفًا بلا إنارة.
إنقاذ الأرواح يبدأ بقرار سياسي وإداري واضح: صيانة حقيقية للطرق، إزالة الحفر، توحيد مواصفات المطبات، إنارة المحاور الأساسية، وضع إشارات مرورية حديثة، ومحاسبة كل مسؤول يقصّر في أداء واجبه. وفي الوقت نفسه، لا بد من تشديد الرقابة على السرعة والقيادة المتهورة، لأن الطريق الآمنة لا تعني شيئًا إذا كان من يقودها يتصرف بلا مسؤولية.
حتى ذلك الحين، سيبقى الصيف في لبنان موسمًا للحوادث، وستبقى صور السيارات المقلوبة تتصدر الأخبار، فيما يواصل المسؤولون انقلابهم على أبسط حقوق المواطن: أن يصل إلى منزله سالمًا

[email protected]
شريط الأخبار
- السعودية تطلق تأشيرة العمرة متعددة الدخول بصلاحية عام
- قصعة: الفرانشايز اللبناني حوّل التحديات الى فرص للتطور والانتشار
- مركز حقوق الإنسان في جامعة بيروت العربية يختتم برنامجًا تدريبيًا حول حقوق الطفل في السياق الإنساني
- صيف لبنان… موسم انقلاب السيارات لا الاصطياف
- القاضي محمد صعب لـnextlb : منشغل بملف وطني كبير… والرد على مرتضى حين تسنح الفرصة
- قبل النهائي… مبابي يخطف الرقم القياسي من ميسي
- أدهم مخادمة: أول حكَم أردني في نهائي كأس العالم
- صدمة في طرابلس… طفل في حالة حرجة والأم تُرجع ما حصل إلى الفقر
