في لبنان، لم يعد البيت ذلك الحصن الآمن الذي يلجأ إليه الإنسان عند اشتداد الخطر. في لحظات كثيرة، تحوّلت الجدران من ملاذٍ إلى مساحة قلق، ومن سقفٍ يحمي إلى سقفٍ يثقل صدور ساكنيه بأسئلة الخوف والترقّب. حين تصل الأمور إلى هذا الحد، لا يكون الخلل في البيت نفسه، بل في واقعٍ كامل فقد فيه الأمان معناه الأساسي.
يعيش اللبناني اليوم على إيقاع هشّ، حيث تختلط الحياة اليومية بأصوات التوتر الدائم. لا يعود الخوف مرتبطًا بخبر عاجل فقط، بل يصبح جزءًا من تفاصيل النهار: من قرار البقاء في المنزل أو مغادرته، إلى القلق على أفراد العائلة المنتشرين في مناطق مختلفة. في مثل هذه الظروف، يصبح الشعور بالأمان ترفًا نادرًا، لا حقًا بديهيًا.
المشكلة لا تقف عند حدود الخطر المباشر، بل تتعداه إلى غياب مظلة حماية واضحة وشاملة. حين يشعر المواطن أن الدولة غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، يتضاعف الإحساس بالعزلة. يصبح كل فرد مسؤولًا عن نفسه وعائلته، في مواجهة تحديات تفوق قدرته بكثير. وهنا، يتكرّس الشعور بأن الإنسان تُرك وحيدًا في مهبّ الظروف.
وفي خضم هذا الواقع، يجد المواطن نفسه عالقًا في قلب معادلات أكبر منه. مناطق سكنية تتحوّل إلى نقاط تماس، وأحياء مأهولة تصبح جزءًا من مشهد التوتر، من دون أن يكون لسكانها أي دور في صنع هذا الواقع. هكذا، يشعر كثيرون بأنهم يُدفعون، قسرًا، إلى واجهة المخاطر، حيث تختلط حياتهم اليومية بحسابات لا تخصّهم.
هذه الحالة لا تعبّر فقط عن خطر مادي، بل عن ضغط نفسي عميق يتراكم يومًا بعد يوم. القلق المستمر، الخوف على العائلة، وانعدام اليقين، كلها عوامل تترك أثرها على تفاصيل الحياة: على الأطفال الذين يكبرون في بيئة مضطربة، وعلى الشباب الذين يفكّرون بالرحيل، وعلى كبار السن الذين يرون ما تبقى من استقرارهم يتلاشى.
ورغم كل ذلك، لا يزال اللبناني يحاول التمسك بما تبقى من حياة طبيعية. يستمر في العمل، في الدراسة، وفي خلق لحظات صغيرة من الأمل وسط واقع ثقيل. هذه القدرة على الاستمرار ليست إنكارًا للخطر، بل محاولة للبقاء، وللحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
لكن الصمود وحده لا يكفي. فالأمان ليس مسؤولية فردية، بل هو حق أساسي يجب أن تضمنه دولة قادرة وحاضرة. دون ذلك، يبقى البيت مهددًا بفقدان معناه، ويبقى المواطن عالقًا بين جدران لا تحميه وواقع لا يطمئنه.
في النهاية، ليست القضية مجرد خوف عابر، بل سؤال وجودي يطرحه اللبناني كل يوم: ماذا يبقى من الوطن، إذا لم يعد البيت فيه مكانًا آمنًا
