في السياسة كما في الحياة، ليس القرار وحده ما يصنع الفارق، بل توقيته أيضاً. فكم من قرار كان يمكن أن يغيّر مسار الأحداث لو صدر في لحظته المناسبة، وكم من خطوةٍ إصلاحية فقدت قيمتها لأنها جاءت متأخرة، بعدما كان الزمن قد تجاوزها وفرض وقائع جديدة على الأرض.
لبنان، في محطاته المصيرية، كثيراً ما بدا كأنه يفاوض الوقت بدل أن يسبقه. تتراكم الأزمات، تتكاثر المؤشرات، ترتفع التحذيرات، لكن القرار يبقى أسير التردد أو التعقيد أو انتظار توافقٍ لا يأتي. وفي بلدٍ تتقاطع فيه السياسة بالأمن والاقتصاد بالمجتمع، يصبح عامل الوقت أكثر حساسية، لأن التأخير لا يعني فقط تعطيل الحلول، بل قد يعني أيضاً فتح الباب أمام أزمات أكبر.
ليست المشكلة في أن الدولة تتحرك اليوم. على العكس، كل خطوة إنقاذية مطلوبة ومرحب بها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل ما زال الوقت يسمح لهذه القرارات بأن تُحدث الأثر المطلوب؟ أم أننا وصلنا إلى لحظة باتت فيها الإجراءات أشبه بمحاولة إطفاء حريقٍ بعدما التهمت النيران معظم ما يمكن إنقاذه؟
في تجارب الدول، كثيراً ما تكون لحظة القرار ضيقة وحاسمة. نافذة صغيرة إذا أُحسن استغلالها يمكن أن تغيّر مسار بلدٍ بأكمله. أما إذا أُهدرت، فإن الخيارات تضيق تدريجياً، وتتحول القرارات من أدواتٍ لصناعة المستقبل إلى وسائل لمحاولة الحد من الخسائر فقط.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي. فالتوقيت ليس تفصيلاً إدارياً في عمل الدولة، بل عنصر أساسي في إدارة الأزمات. القرار المبكر يمنح هامشاً للمناورة، ويخفف الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية. أما القرار المتأخر، مهما كان صائباً في مضمونه، فإنه غالباً ما يصل بعدما تكون الوقائع قد سبقته.
اليوم، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهدٍ بالغ التعقيد، حيث تتداخل الأزمات الداخلية مع التطورات الإقليمية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح عامل الوقت أكثر حسماً من أي وقت مضى. فكل يوم تأخير قد يبدل المعادلات، وكل خطوة مؤجلة قد تفتح الباب أمام سيناريوهات لم تكن مطروحة سابقاً.
ليس الهدف من هذا الكلام توجيه اللوم بقدر ما هو تذكير بدرسٍ يعرفه اللبنانيون جيداً: أن الفرص لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. وأن الدول، مثل الأفراد، تدفع أحياناً ثمناً باهظاً عندما تتأخر في اتخاذ القرارات الصعبة.
ربما ما زال في الوقت بقية. وربما لا تزال هناك مساحة لالتقاط اللحظة قبل أن تنغلق تماماً. لكن ما أثبتته التجارب أن أخطر ما يمكن أن يحدث لبلدٍ يمر بأزمات متراكمة، هو أن يتحول الوقت من فرصةٍ للإنقاذ إلى عامل ضغطٍ يفرض خياراته القاسية.
فالقرارات، مهما كانت مهمة، تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها عندما تأتي بعد فوات الأوان. وفي بلدٍ يقف دائماً على حافة التحولات الكبرى، قد لا يكون التحدي في معرفة ما يجب فعله… بل في معرفة متى يجب فعله
إكرام صعب
