إكرام صعب
كرسي… وما أدراك ما كرسي! أيُّ همٍّ هذا الذي أُضيف إلى هموم اللبنانيين؟ وأيُّ عمل فنيّ هذا الذي استفزّ المصابين بمرض الكراسي، حتى صار الكرسي الأزرق الذي نُصب على رصيف بحر بيروت حديث البلد، من صغيره إلى كبيره
لم يكن الكرسي الأزرق، الذي اختار كورنيش عين المريسة محطّة جديدة له، يعرف على الأرجح إلى أي بلدٍ جاء، ولا أي حساسية قد يوقظها بمجرد أن يستقرّ على رصيف يطلّ على البحر.
فهو، بكل بساطة، عمل فني أراد له أصحابه أن يكون مساحة للتلاقي، وعلامة جمالية تضيف إلى المشهد البيروتي شيئاً من اللون والفرح، وجسراً رمزياً بين ضفّتَي البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً بين بيروت ونيس الفرنسية.
لكن الكرسي المسكين، الذي اعتاد أن يكون موضع إعجاب وعدسات المصوّرين في مدينة نيس، لم يكن يعرف أنّه اختار الإقامة في بلدٍ للكرسي فيه حكايات أخرى، وأنّ كلمة «كرسي» في لبنان ليست دائماً مجرّد قطعة أثاث، ولا حتى تحفة فنية بارتفاع خمسة أمتار!
هنا، للكرسي قاموسه الخاص، وحساباته التي تتجاوز الخشب والحديد والتصميم، وتدخل في السياسة والطوائف والتوازنات والحصص. وهنا أيضاً، قد يصبح الجلوس على كرسيّ ما حلماً، أو معركة، أو قضية وطنية، وقد يتحوّل الخلاف على كرسي إلى ما هو أكبر بكثير من الكرسي نفسه.
لذلك، لم يكن مستغرباً أن يتجاوز الحديث عن الكرسي الأزرق حدود المناسبة الفنية، وأن يصبح حديث الناس، من الصغير إلى الكبير. فاللبناني، الذي اعتاد أن يقرأ ما وراء التفاصيل، لا ينظر دائماً إلى الكرسي بوصفه مجرّد كرسي. وربما كان الجدل الذي رافق وصوله، ولا يزال يتفاعل، انعكاساً لحساسية رمزيته في بلدٍ ارتبطت فيه الكراسي السياسية بالنفوذ والسلطة والانتظار الطويل، وبصراعات لا تنتهي بسهولة.
والمفارقة أنّ هذا الكرسي لم يأتِ ليجلس عليه مسؤول، ولم يُنصب ليكون موقعاً للنفوذ أو امتيازاً لأحد. لم يحمل معه مشروع تسوية، ولم يدخل في بازار المحاصصة، ولم يحتج إلى توافق سياسي كي يستقرّ في مكانه. جاء ليكون للجميع، تماماً كما يفترض أن تكون المساحات العامة: مفتوحة أمام الناس، لا تحتاج إلى إذنٍ من أحد، ولا تُحجز باسم أحد.
ومع ذلك، وجد نفسه، من حيث لا يدري، في قلب نقاش يتجاوز لونه الأزرق وتصميمه الفني، ليطرح سؤالاً عن علاقتنا نحن بالكراسي، وعن المعاني التي نحمّلها لها، وعن بلدٍ باتت فيه بعض المقاعد أصعب منالاً من أبسط حقوق مواطنيه.
لعلّ الكرسي الأزرق لا يعرف بعد أنّ في لبنان كراسي لا تُقاس بارتفاعها، بل بما تمنحه من سلطة، وأنّ بعضها يثير من الجدل ما لا تثيره مدينة بأكملها. ولعلّه لا يعرف أيضاً أنّ الكراسي السياسية عندنا قد تكون أكثر ثباتاً من أصحابها في مواقع أخرى، وأكثر استقطاباً من أي مشروع يجمع اللبنانيين.
لكن، بعيداً من كل ذلك، يبقى للكرسي الأزرق معنى أجمل من كل التأويلات: أن يجلس الناس قرب البحر، وأن يلتقوا حول مساحة مشتركة، وأن يجدوا في الفن سبباً للفرح، لا مادة إضافية للخلاف.
فأهلاً بالكرسي الأزرق في بيروت، المدينة التي تستحق أن تكون كراسيها للجلوس، لا للتنازع؛ وللتلاقي، لا للتفرقة.
أما الكرسي المسكين، فربما يحتاج إلى بعض الوقت ليفهم قواعد اللعبة في هذا البلد. والأهم، ألا يخطئ فيظنّ أنّ كل كرسي في لبنان وُضع ليجلس عليه أحد
[email protected]
شريط الأخبار
- الرئيس سلام افتتح معرض “الصناعة الوطنية 2026”: سنضع سياسات تشجع تصنيع المنتجات المستوردة
- “كرسي” بلبنان؟.. كلمة “بتزرزع “البدن!
- المفتي حسن دلي يستقبل وفداً دبلوماسياً أوروبياً ويعرض معاناة المزارعين في حاصبيا ومرجعيون
- تعيين وجهين نسائيين في مسار تطوير” إذاعة لبنان”
- “الشويفات شو داون” ألهبت حناجر الآلاف والنزالات أشعلت أجواء نصف نهائي Wolfofbey ACS League
- نجل أردوغان في لبنان منتصف تشرين الثاني: زيارة استطلاعية واقتصادية ومهرجان في طرابلس
- الحريري يدعو لبنان لدعم لانا نسيبة… فخر عربي على أبواب الأمم المتحدة!
- الكويت تُصدر أحكام إعدام في قضية تخابر مع إيران و«حزب الله» والتخطيط لاغتيال مسؤولين
