ماذا يحدث في لبنان؟ وإلى متى سيبقى المواطن اللبناني متروكاً لمصيره، فيما الجرائم تتنقل من شارع إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، وكأن البلاد بلا أجهزة أمنية وبلا خطة واضحة لحماية الناس؟
في بيروت تحديداً، حيث يفترض أن تكون الدولة أكثر حضوراً، تطالعنا أخبار صادمة ومتلاحقة، وفي أحياء مأهولة وشوارع رئيسية وأمام أعين المارة.
خلال أربع وعشرين ساعة فقط، عسكري يُصاب في الرأس داخل مركز عمله، وتبقى علامات الاستفهام حول ملابسات الحادث وما إذا كان انتحاراً أم حادثاً أم أن هناك رواية أخرى تنتظرها التحقيقات. مسنّة تُقتل داخل منزلها في جريمة يُقال إن دافعها السرقة. وشاب يُقتل في شارع رئيس في العاصمة أثناء مروره على دراجته النارية، أمام المارة.
وهذا ليس سوى غيض من فيض.
جرائم متنقلة شمالاً وجنوباً، في البقاع والساحل، سرقات واعتداءات وإطلاق نار وحوادث أمنية تتكرر حتى كادت تتحول إلى جزء من المشهد اليومي.
عن أي أمن يتحدثون؟
هل المطلوب من المواطن أن يغادر منزله كل صباح وهو يفكر: هل سأعود سالماً؟ هل أصبح عليه أن يراقب الطريق خلفه، وأن يخشى على منزله وأولاده، وأن يعتبر وجوده في شارع عام مخاطرة؟
الجريمة قد تقع في أي بلد، لكن الدولة تُقاس بقدرتها على منعها وردعها وملاحقة مرتكبيها، لا بمجرد الوصول إلى مسرح الجريمة بعد سقوط الضحية.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
أين الخطة الأمنية لبيروت؟
أين الانتشار الوقائي في الأحياء والشوارع المكتظة؟
أين مراقبة تحركات عصابات السرقة؟
أين متابعة الوجوه المشبوهة والغريبة التي تتنقل بين المناطق؟
وأين التعامل الجدي مع الانتشار المخيف للسلاح؟
لا يمكن للأمن أن يكون رد فعل. الأمن الحقيقي يبدأ قبل الجريمة، لا بعدها. يبدأ بالمعلومة، بالمراقبة، بالدوريات، بالردع، وبحضور الدولة الذي يجعل الخارج عن القانون يفكر ألف مرة قبل أن يمد يده إلى منزل أو سلاحه إلى إنسان.
أما أن ننتظر وقوع الجريمة ثم نقرأ بياناً أمنياً عن توقيف الفاعل، فهذه ليست حماية للمواطن. هذه إدارة لنتائج الجريمة.
المواطن يريد أن يعيش، لا أن يحصل على تفسير بعد موته.
والأكثر إيلاماً أن المسؤولين منشغلون بملفات كثيرة، سياسية واقتصادية وإدارية، فيما يبدو أن أبسط وظيفة للدولة تتراجع إلى آخر سلم الأولويات: حماية الإنسان.
لبنان أنهكته الحروب.
ومن لم يمت في الحرب قد يموت على الطريق.
ومن ينجُ من حوادث السير قد يقع ضحية سارق أو مسلح أو جريمة عشوائية.
ومن يموت في حادث غامض قد تظل عائلته أسيرة الأسئلة: انتحار؟ حادث؟ جريمة؟
إلى متى؟
المشكلة لا تكمن فقط في عدد الجرائم، بل في اعتياد الناس عليها. أن يصبح قتل إنسان في شارع رئيس خبراً عابراً. أن تصبح السرقة من المنازل أمراً متوقعاً. أن يصبح السلاح مشهداً عادياً. وأن يعتاد اللبناني الخوف كما اعتاد أزمات الكهرباء والاقتصاد والسياسة.
وهنا الخطر الحقيقي.
حين تفقد الناس ثقتها بأن الدولة قادرة على حمايتها، يبدأ كل فرد بالتفكير في حماية نفسه بنفسه. وعندما يصبح السلاح بديلاً عن القانون، تصبح الفوضى أقرب من أي وقت مضى.
المطلوب ليس تحويل لبنان إلى ثكنة عسكرية، ولا إخافة الناس بمزيد من الحواجز. المطلوب دولة تعرف أين الخلل، ومن يتحرك، ومن يحمل السلاح، ومن يسرق، ومن يعتدي، ومن يشكل خطراً على الناس.
المطلوب أجهزة أمنية حاضرة قبل الجريمة، لا بعد وقوعها.
والمطلوب من المسؤولين أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم: قبل الاستحقاقات والخلافات والمناكفات، هناك مواطن يريد أن يصل إلى منزله سالماً، وأم تريد أن يخرج ابنها ولا تعيش الساعات التالية على وقع الخوف، وعائلة تريد أن تشعر أن بيتها ليس هدفاً سهلاً.
فالدولة التي لا تحمي مواطنيها تترك فراغاً، والفراغ الأمني لا يبقى فارغاً. يملؤه السلاح، والعصابات، والخوف، والفوضى.
لذلك، لا تسألوا اللبناني بعد اليوم: لماذا يخاف؟
اسألوه أولاً:
من الذي تركه وحيداً أمام كل هذا الخوف؟
فالسؤال لم يعد أين الجريمة.
السؤال أصبح:أين الدولة
[email protected]
شريط الأخبار
- بيروت ليست آمنة.. والجرائم تكشف عجز الدولة
- أدرعي ينضم إلى قناة إخبارية!!
- خلف: إطلاق النار على موقع لليونيفيل في محيط كفرشوبا أمر خطير ومرفوض
- إتحاد جمعيّات العائلات البيروتيّة: مقام الإفتاء أسمى وأعلى
- (بالصور ) سلام من معرض “بين سطور الدستور” في المكتبة الوطنية: أفضل ما نكرّم به الدستور في مئويته أن نعيد إليه دوره ومعناه
- المركز التربوي يعلن عن حاجته التعاقد مع مدرّسين ومدرّسات في مختلف المحافظات اللبناني
- أعضاء مجلس المنافسة يؤدون اليمين القانونية أمام محكمة التمييز التجارية متفرقات
- رئيسة بلدية رأس نحاش: في حضرة رئيس الجمهورية تتجدد الشراكة بين الدولة والبلديات
