ليس لبنان بلد المحاسبة. هذا كان وما يزال ينقصه. ديمقراطيته تنحصر في الحرية أولًا وفي تداول السلطة ثانيًا، بالرغم من استثناء مهم وهو ليس حال أي بلدٍ عربي آخر، في حكم الشخص الواحد أو الوريث.
في الجلسات النيابية الأخيرة ارتفعت الأصوات محاسبةً الحكومة على مختلف المواضيع وقيل فيها كل شيء وتمت مواجهات بين عدد من النواب وممثلي حزب الله. وبالنتيجة جددت الثقة لها لأنه لا مصلحة بتغييرها حاليًا. ولكن ذلك ليس بالقليل مقارنة ليس بدول الحق والقانون كما في الديمقراطيات المتقدمة التي كنا ولا نزال نهجس بالاقتداء بها، بل بالدول العربية المجاورة التي تفتقر كلها إلى الحرية وتداول السلطة كما في لبنان.
لكن واقعنا هو غير ذلك. لدينا الحريات ولكن الدولة التي حضرت في بعض الزمان، هي غائبة تمامًا حاليًا، إذ لا قدرة لها حتى على ضبط مخالفات الدرجات النارية. فكيف بمطلب حصر سلاح حزب الله الذي يطالبنا العالم كله به، والجيش في مأزق حقيقي تجاه هذا المطلب.
لا بد هنا من فتح نافذة يطالب بها الكثيرون وهي تحييد لبنان عن الصراعات. وقد ذكرنا في هذه الصفحات مرحلة تحييد لبنان عن الصراعات العربية في حقبة الستينات، وهي سقطت لاحقًا. ولكن المقارنة مع سويسرا التي يصرّ عليها البعض تقف هنا. إذ أن لبنان، في تكوينه البشري شديد الاختلاف عن التجربة السويسرية. سويسرا، بعد مؤتمر فيينا عام 1815 إثر الحروب النابوليونية اختارت عام 1848 الحياد بسبب الاختلاف العرقي بين مكوناتها البشرية. إذ لا اللغة تجمع هذه المكونات ولا الثقافة. السويسريون منقسمون إلى ثلاثة عناصر: العنصر الفرنسي والعنصر الألماني والعنصر الإيطالي بالإضافة إلى الأقلية الرومنشية (Les Romanches) التي كانت في صلب التكوين. وهذه المكونات العنصرية اتفقت على الحياد في منتصف القرن التاسع عشر وصار هذا الحياد بالذات اللحمة الوطنية الأساسية والتي لولاها لما نشأ الكيان السويسري واستمرّ وازدهر. إذ أن الكانتونات الكبرى يتكلم أبناؤها الفرنسية والألمانية والإيطالية، مع كل الجذور العائدة لهذه الجنسيات وهذا نجح والبارحة في 27 أيلول الماضي جرى استفتاءٌ شدد على الحياد بعدما أثارت روسيا انحياز سويسرا للغرب، فجاءت النتيجة استمرار هذا الحياد بشكله الحالي مع الانتماء إلى الغرب، وذلك دون الدخول في الوحدة الأوروبية أو في الحلف الأطلسي. وهكذا نجحت التجربة السويسرية ولم تدخل في الحروب، وبنت قواتها العسكرية والأمنية الذاتية التي يُحسب لها الحساب.
في لبنان نتكلم اللغة ذاتها، ونقرأ الكتب ذاتها وعادات المناطق هي ذاتها تقريبًا. وذلك بالرغم من أن في بعض البيوت يتم التداول بلغة أجنبية، وأن بعض المدارس تنفرد بإعلاء شأن بعض اللغات هذه. ولكننا اليوم في حالة انقسام واضح، وفي مواجهة مشكلة كبرى تكمن في تمرد حزب الله الذي نجح في بناء سلطة واسعة ضمن الدولة، ظهرت معالمها في المواجهات الأخيرة عبر ما تمّ بناؤه من تحصيناتٍ وأنفاقٍ تطلبت إمكانيات بشرية ومادية هائلة كان مصدرها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولا تزال مسألة علي الطاهر بما ولدت من هزاتٍ بعضها أرضيٌ ملازمة لهذه المواجهة المأساوية.
هذه هي مشكلة لبنان الحالية التي تُختصر بالتالي:
هنالك انقسام بشري واضح سببه ليس فقط منظومة حزب الله المسلحة وانفرادها بمواجهة إسرائيل التي دمرت الجنوب وهجّرت سكانه، بل الواقع القائم على الأرض، بالموت والتهجير ولكن أيضًا بالموقف الحاد المعلن الذي يتخذ قادة حزب الله في مواجهة الدولة والمسؤولين فيها بعنفٍ وتهديد وتحميلهم المسؤولية في الحرب الدائرة حاليًا. وهذا هو الانقسام الحقيقي إذ بالرغم من تجارب إسرائيل العسكرية مع لبنان منذ نشوئها ككيان ثبت أنه نقيض الكيان اللبناني، إلا أن استدراجها إلى المواجهة لم يكن خيار الدولة ولا خيار الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. وهذا بات معروفًا وهنا الأزمة الكيانية الكبرى.
السبب الثاني المهم هو أن العالم، بين أصدقاء وعرب يتجاهل عجز الدولة اللبنانية. فهذه ليست مسؤوليتهم: فإما أن في لبنان دولة قوامها الشعب والأرض والسلطة كما في تحديد مفهوم الدولة، وكما هو حال الآخرين في قيام دولهم وإما أن لبنان ليس فيه مقومات الدولة، وذلك دون الذهاب إلى ما صرح ويصرح به ذلك الجاهل توم باراك عن فشل الدولة في لبنان بنقيضٍ صارخٍ مع مواطنه اللبناني-الأميركي ميشال عيسى الذي لعله المساهم الأول في مخطط الإنقاذ. هل إن ذلك لاجتذاب الوصاية أو التدخل العسكري، مقابل التدخل الإيراني السافر الذي يواجه عسكريًا أكبر دولة في العالم. إذ أن اللبنانيين أدركوا من هذه المواجهة أنه ما دام النظام الإيراني صامدًا في بلده فإنه صامدٌ في خارجه، وأولى مكاسبه ومحطاته الخارجية كانت في لبنان منذ ما يزيد عن أربعين عامًا.
فلبنان يبدو حاليًا كمن يتسول السيادة. نحن حاضرون يقول لنا الأصدقاء والأشقاء كما في اللغة المتداولة، ولكن عليكم أن تقوموا بالحد الأدنى المطلوب. وها هي قوات الطوارئ تنسحب بإصرارٍ أميركي، وبالرغم من دور واشنطن بالحد من الخسائر فقط وليس بوقف الحرب والموت وجرف القرى والدمار.
إذ ماذا ينقصنا، لدينا شعبٌ وأرض ولكن السلطة ضائعة. هذا حدث في عدة بلدان ولكن كان هنالك من هو قادرٌ على لملمة السلطة وحصرها بالأولياء الشرعيين كما يحصل دائمًا في المفاصل التاريخية، والتجارب كثيرة ولا مجال لذكرها. ولكن أين هم حاليًا أولئك الأولياء الشرعيين في زمن المحاصصة التي وزعت المراكز بالتراضي بدءًا من الحكومي منها. إذ كيف بإمكان دولة أن تحصر سلاح قوة خارجة عن الشرعية مثل حزب الله، وهو ممثلٌ تمثيلًا فاعلًا في مختلف مراكز القرار أو متعاطف معها بدءًا من الحكومة. إذ أن تعذر تأليف حكومة جديدة يعود إلى التالي: من هم ممثلو الطائفة الشعية فيها؟ هل ممكن إبعاد ممثلي حزب الله عنها ما دام هو يمثل قرار الحرب والسلم في الدولة؟
لبنان المنتظر والصابر هو المنتصر. والذين كانوا في زيارة ضريح القديس شربل في عنايا الأسبوع الماضي لعلهم شاهدوا منظرًا بات مألوفًا: سبع سيداتٍ محجبات من إحدى الطوائف المسلمة يدخلن غرفة الضريح، ويقفنا في المكان ذاته الذي ركع فيه البابا لاوون الرابع عشر في أول زيارة له إلى الخارج بعد انتخابه. فلبنان لا يزال في قلب ذلك الكبير الذي ذكر لبنان في كلماته أثناء زيارته الأخيرة إلى فرنسا.
هذه الصور لعلها تختصر لبنان. وتحيي الأمل مجددًا في ظل وضعٍ يبدو فيه النور كضوء الفجر الناشئ فهنالك ضوء ولبنان لا يعيش في العتمة.
داود الصايغ
كاتب ومؤرخ سياسي
مستشار سابق لدى الرئيس رفيق الحريري
شريط الأخبار
- من محطة بعبدا التاريخية… رحلة لبنانية تعيد وصل التراث بالأسواق العالمية
- هزيمة الخارجين عن الوفاق ..بقلم داود الصايغ
- أسلاك سماعات في مواجهة السكين… مَن هم الأربعة الذين تصدّوا لمهاجم رحلة دبي – إسرائيل؟
- من طرابلس إلى الأمم المتحدة.. سناء حمزة، مسيرة إنسانية في علاج ضحايا التعذيب تتوّج بعضوية لجنة دولية
- انجاز طبي نوعي لبناني.. مستشفى الرسول الأعظم يُجري عملية زراعة قلب
- مجلس شورى الدولة يبطل قرار التمديد لمفتي الجمهورية اللبنانية
- مياه بيروت وجبل لبنان تعفي المشتركين من 85% من غرامات التأخير وتتيح تقسيط المتأخرات حتى 2028
- إختيار اللبنانية الأولى نعمت عون أوّل عضو لبناني في لجنة تحكيم “جائزة زايد للاخوة الإنسانية”
