الباحث الأكاديمي طه الجفال يضع التحول الرقمي أمام أسئلة الوعي والسيادة والأمن السيبراني

لم تعد الهيمنة في العصر الحديث مرتبطة بالقوة العسكرية أو السياسية وحدها، إذ أنتج التحول الرقمي أشكالاً جديدة وأكثر تعقيداً من التأثير، تقوم على البيانات والمعلومات والخوارزميات والمنصات الرقمية، وتصل إلى التأثير في طريقة تفكير الإنسان وما يراه ويسمعه ويختاره\.
من هذا المنطلق تأتي الدراسة الأكاديمية «الفاشية الرقمية تحت المجهر»، التي أعدّها الباحث الأكاديمي طه الجفال، تحت عنوان فرعي هو: «دراسة تحليلية في ضوء الرؤية الإسلامية ومتطلبات الأمن السيبراني والسيادة الرقمية»
وتحاول الدراسة مقاربة ظاهرة حديثة تتجاوز حدود التكنولوجيا نفسها، لتبحث في علاقتها بالسلطة والوعي والثقافة والهوية، وفي قدرة المنظومات الرقمية على التأثير في الأفراد والمجتمعات من خلال التحكم بالمعلومات والبيانات وتوجيه الانتباه والسلوك
وتنطلق الدراسة من أن التحول الرقمي أفرز بنية جديدة للسلطة، أصبحت فيها البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية الكبرى أدوات مركزية في إعادة تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الاتجاهات وتوجيه السلوك الفردي والمجتمعي.
وهنا تكمن أهمية اختيار الباحث لمصطلح «الفاشية الرقمية»، إذ تسعى الدراسة إلى قراءة هذا النوع من الهيمنة باعتباره نمطاً جديداً من التأثير التقني والثقافي، لا يعتمد بالضرورة على القوة المباشرة، بل يمكن أن يعمل بصورة غير مرئية عبر إدارة المعلومات والانتباه والإدراك\.
وتتمثل إحدى أبرز غايات الدراسة في فهم طبيعة الفاشية الرقمية وجذورها النظرية، والكشف عن آليات الهيمنة التي يمكن أن تنتجها التكنولوجيا الحديثة، خصوصاً في ظل صعود الخوارزميات ورأسمالية المراقبة والاقتصاد القائم على جذب انتباه المستخدمين.
ولهذا الغرض، تستند الدراسة في تأصيلها النظري إلى أعمال هربرت شيلر حول «إدارة العقول»، قبل أن تنتقل إلى مفاهيم مرتبطة بالتحول الرقمي، من بينها رأسمالية المراقبة والاقتصاد الانتباهي والهندسة الخوارزمية للسلوك\.
ولا تقف أهداف الدراسة عند تشخيص الظاهرة، بل تسعى أيضاً إلى بحث انعكاساتها على هوية الأجيال المسلمة وأمنها الفكري، وإلى طرح إمكانية بناء نموذج إسلامي وسيادي قادر على مواجهة هذه التحديات\. وهذا ما يظهر بوضوح في إشكالية الدراسة التي تبحث في مدى تحول الفاشية الرقمية إلى نمط جديد من الهيمنة التقنية والثقافية المؤثرة في الهوية والأمن الفكري.
ومن هنا يأتي دور الدراسة في نقل النقاش حول الأمن السيبراني من إطاره التقني البحت إلى إطار أوسع يتعلق بالمجتمع والإنسان والمعرفة\.
فالدراسة لا ترى الأمن السيبراني مجرد عملية لحماية الشبكات والأنظمة من الاختراق، بل توسع مفهومه ليشمل حماية البيانات والخصوصية والوعي والسردية الثقافية والهوية واستقلال القرار المعرفي.
وهذا الطرح يعطي مفهوم السيادة الرقمية موقعاً أساسياً في الدراسة، إذ يصبح امتلاك البيانات والبنية التحتية والقدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا جزءاً من حماية استقلال المجتمع والدولة، وليس مجرد مسألة تقنية.
كما تهدف الدراسة إلى لفت الانتباه إلى أن الخطر الرقمي لا يتمثل فقط في سرقة المعلومات أو اختراق الأنظمة، بل قد يمتد إلى التأثير في طريقة تشكيل الوعي نفسه. فحين تصبح الخوارزميات قادرة على تحديد المحتوى الذي يصل إلى المستخدم، وحين تتحول البيانات إلى مصدر لفهم السلوك والتنبؤ به والتأثير فيه، يصبح السؤال المتعلق بمن يمتلك هذه الأدوات وكيف يستخدمها سؤالاً يتصل مباشرة بالحرية والهوية والسيادة\.
وتبرز أهمية الدراسة أيضاً في محاولتها الربط بين ثلاثة مستويات متداخلة: التكنولوجيا، والوعي، والسيادة. فالمجتمع الذي يمتلك التكنولوجيا لكنه لا يمتلك وعياً رقمياً قد يبقى عرضة للتأثير، والمجتمع الذي ينتج المعرفة لكنه لا يملك بنيته الرقمية وبياناته قد يبقى معتمداً على الآخرين في واحدة من أهم أدوات القوة في العصر الحديث\.
وفي نتائجها، تخلص الدراسة إلى أن الفاشية الرقمية تمثل نمطاً متطوراً من الهيمنة يقوم على إدارة الإدراك والسلوك عبر البيانات والخوارزميات، وتعتبر أن بناء السيادة الرقمية أصبح ضرورة حضارية.
أما على مستوى الحلول، فلا تطرح الدراسة المواجهة من زاوية أمنية فقط، بل تقترح مجموعة من المسارات المتكاملة، بينها سن تشريعات لحماية البيانات، وإنشاء بنية سحابية سيادية، وإدماج التربية الإعلامية الرقمية، ودعم الذكاء الاصطناعي العربي والإسلامي، وبناء شراكات تكاملية بين الدول الإسلامية.
وتكشف هذه التوصيات عن هدف آخر للدراسة، يتمثل في الانتقال من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع أكثر فاعلية في إنتاجها وإدارتها، خصوصاً في العالم العربي والإسلامي\. فالتربية الإعلامية الرقمية، وفق هذا التصور، لا تقتصر على تعليم المستخدم كيفية استعمال التكنولوجيا، وإنما تساعده على فهم ما وراء الشاشة: كيف تُجمع بياناته، وكيف تعمل الخوارزميات، وكيف يمكن للمحتوى الرقمي أن يؤثر في خياراته ومواقفه\.
كما أن دعم الذكاء الاصطناعي العربي والإسلامي، وإنشاء بنية رقمية سيادية، يرتبطان بهدف تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها.
وتأتي الدراسة في هذا السياق لتطرح قضية تتجاوز حدود العالم الرقمي نفسه، لأن البيانات أصبحت مرتبطة بالاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والثقافة والأمن، فيما أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية ومصدراً رئيسياً للمعلومات وتكوين المواقف.
وفي خاتمتها، تختصر الدراسة رؤيتها بعبارة واضحة: **«معركة العصر ليست معركة أدوات فحسب، بل معركة وعي وهوية وسيادة وأخلاق»**، معتبرة أن الأمة التي لا تملك بياناتها ولا تنتج معرفتها الرقمية تبقى عرضة للتشكيل من الخارج
ومن هذه الزاوية، تبدو قيمة دراسة «الفاشية الرقمية تحت المجهر» في أنها تفتح باباً للنقاش حول سؤال بات يفرض نفسه بقوة: هل يكفي أن نكون مستخدمين للتكنولوجيا، أم أن امتلاك المستقبل يتطلب أيضاً امتلاك البيانات والمعرفة والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتحديد كيفية استخدامها؟
وإذا كانت معارك الماضي تُقاس أحياناً بالسيطرة على الأرض والثروات ومصادر القوة، فإن الدراسة تدفع إلى التفكير في شكل جديد من الصراع، عنوانه لبيانات والوعي والانتباه والهوية والسيادة الرقمية.
وتستند الدراسة إلى مجموعة من المراجع الفكرية التي تناولت قضايا الإعلام والسلطة والمجتمع والشبكات والهوية، من بينها أعمال **هربرت شيلر، وإدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي، وشوشانا زوبوف، ومانويل كاستلز إلى جانب مالك بن نبي وعبد الوهاب المسيري.
وبذلك تقدم دراسة الباحث طه الجفال محاولة لقراءة التحول الرقمي من زاوية تتداخل فيها التقنية مع الفكر والثقافة والأمن والسيادة، وتضع الوعي الرقمي في صلب المعركة المقبلة، انطلاقاً من فكرة أساسية مفادها أن حماية الإنسان في العصر الرقمي لا تبدأ من حماية أجهزته فقط، بل من حماية قدرته على التفكير والاختيار وصناعة المعرفة
