عبد المجيد أيوب *
صنع الزعيم وليد جنبلاط جزءاً من تاريخ لبنان على أرض الواقع، قبل أن يضع تفاصيله بين دفتي كتاب.
لذلك، فإن عبارة “قدر في هذا المشرق” لا تبدو مجرد عنوان لكتاب، بقدر ما تبدو مفتاحاً لقراءة سيرة رجل لم يعش التاريخ من بعيد، بل وجد نفسه في قلبه، يمشي في دروبه الوعرة، ويصطدم بعواصفه، ويترك بدوره أثراً في ميادينه.
فهذا المشرق لم يكن يوماً أرضاً للسياسة الهادئة، هو جغرافيا معلقة على حافة الإحتمال، تتبدل فيها خرائط النفوذ، وتتقاطع فيها الجغرافيا مع الذاكرة، ويصبح السياسي فيها في لحظات كثيرة أسيراً للعاصفة وصانعاً لبعض اتجاهاتها في آن.
وفي هذا المشرق، كان وليد جنبلاط أكثر من رجل في السياسة اللبنانية، لقد كان شاهداً على مرحلة وفاعلاً في تحولاتها، وجزءاً من ذاكرة وطن لم يستقر تاريخه على رواية واحدة.
دخل جنبلاط إلى المشهد في زمن كانت فيه الأوطان تختبر بالنار، والسياسة تمارس أحياناً بين الممكن والمستحيل، فكان عليه أن يقرأ اللحظة لا كما تكتب في الكتب، بل كما تعاش على أرض الواقع.
ولعل قيمة تجربته لا تكمن فقط في القرارات التي اتخذها، ولا في المواقف التي تبدلت أو ثبتت، بل في أنه كان حاضراً في مساحات زمنية أصبح فيها القرار السياسي نفسه جزءاً من صناعة التاريخ.
لذلك، فإن قراءة مسيرته ليست قراءة لرجل فحسب، بل قراءة لمرحلة لبنانية ومشرقية كاملة بكل تناقضاتها وانعطافاتها وانتصاراتها وانكساراتها.
وما بين رجل عاش أحداث التاريخ، وكتاب جاء ليحاول أن يقرأ هذا العبور، مسافة تختصرها حقيقة أعمق هي أن بعض الرجال لا ينتظرون المؤرخ كي يمنحهم مكاناً في التاريخ ، لأن التاريخ نفسه حين تضيق به اللحظة ، يضطر إلى أن يمر من أمامهم، وأحياناً من خلالهم.
ومن هنا، قد يكون “قدر في هذا المشرق” أكثر من كتاب وعنوان، قد يكون وصفاً لعلاقة رجل بزمنه، ولعلاقة زمن مضطرب برجل وجد نفسه شاء أم أبى واحداً من حملة أسراره ومن شهود تحوّلاته، وأحد صنّاع صفحاته التي لم تطوَ بعد.
* ماجستير في التاريخ
