في اليوم العالميّ للمرأة لا نقف أمام المرأة لنمنحها كلماتٍ عابرةً، بل لنصغي إلى ذلك السرّ العميق الّذي يسكن حضورها في الحياة. فالمرأة ليست وجهًا واحدًا يُرى من زاويةٍ واحدةٍ، بل روحٌ تتجلّى في أبعادٍ ثلاثة: أمٌّ تمنح الدّفء، وأنثى توقظ الجمال، وروحٌ تصنع من البيت وطنًا ومن العائلة نواة المجتمع.
فالمرأة أمٌّ حين تضيق الطرق بأبنائها، فتفتح لهم قلبها كسماءٍ رحبةٍ، وتعلّمهم أنّ الأمان لا يُبنى بالحجارة بل بالحبّ. في حضنها يتعلّم الطّفل أوّل أبجديّةٍ للحياة، ومنها يعرف الإنسان أنّ الرحمة ليست ضعفًا بل قوةٌ خفيّةٌ تحفظ العالم من القسوة.
وهي أنثى حين تمضي في الحياة برهافة النّدى وقوّة الضّوء معًا؛ لا لتكون زينةً عابرةً في الأيّام، بل لتُعيد إلى الوجود معناه الجميل. بلمستها يتحوّل البيت إلى جنةٍ صغيرةٍ، وبحضورها تصبح الجدران مأوى للسّكينة، كأنّها تزرع في المكان روحًا لا تُرى ولكنّها تُحَسّ في كلّ زاويةٍ.
وهي أيضاً امرأة العمل والعقل؛ تمضي إلى يومها بثباتٍ يشبه شروق الشّمس. أثبتت أنّ العطاء لا ينحصر في بابٍ واحدٍ، فكانت ناجحةً في عملها كما هي حكيمةٌ في بيتها. تنسج مع زوجها وأبنائها خيوط المودّة والصّبر، حتى يصبح البيت صورةً مصغّرةً عن المجتمع الذي نحلم به: مجتمعٌ يقوم على التّفاهم والرّحمة والاحترام.
ومع ذلك، فإنّ الحقيقة الهادئة تهمس لنا بأنّ الإسم وحده لا يصنع المعنى؛ فليست كلُّ امرأةٍ بلغت سرّ المرأة. كما أنّ في الحقول أزهارًا تتفتّح عطرًا، وفيها براعم ما زالت تنتظر شمسها، كذلك هي النّساء. فبعضهنّ يرفعن البيوت إلى مقام الجنّة بحكمة القلب، وبعضهنّ ما زلن يتعلّمن من الحياة كيف يصبح الحنان قوّةً، وكيف تصير الكرامة طريقًا للنّهوض.
غير أنّ صورة المرأة تتجلّى بأبهى معانيها حين تقع ثمّ تنهض. فالمرأة تعرف قسوة الطّريق، لكنّها تمشيه بقلبٍ لا يستسلم. إن تعثّرت، نهضت كأن في روحها قوّة الينابيع؛ كلّما ظنّها النّاس جفّت، تفجّر منها ماء الحياة من جديد.
وهنا تبرز المرأة اللّبنانيّة بخصوصيّةٍ تليق بصبر الأرض الّتي تمشي عليها. فقد عرفت ضيق الإقتصاد وقلق الأيّام، ومرّت عليها الأزمات كرياحٍ عاتيةٍ، لكنّها بقيت واقفةً كجنديٍّ يحرس بيته بصمتٍ وإيمانٍ. تحفظ دفء العائلة، وتُعيد ترتيب الأمل كلّ صباح، كأنّها تبني الوطن من جديد بين جدران منزلها.
وهكذا تبقى المرأة، حين تبلغ تمام معناها، ثلاثيّة الأبعاد: قلبًا يفيض حنانًا، وعقلًا يُضيء الطّريق، وروحًا تجعل من البيت حضنًا ومن العائلة نواة المجتمع. وفي هذا التّلاقي بين الحبّ والحكمة والقوّة تولد المرأة كما ينبغي أن تُرى: نوراً هادئاً لا يضجّ، لكنّه يحفظ للحياة معناها.
بقلم سهى نخلة
