حين نقول إننا في القاع، فذلك ليس جلدًا للذات ولا مبالغة في التشاؤم، بل توصيف صادق لواقع يعيشه اللبنانيون يوميًا: اقتصاد منهك، مؤسسات مترهّلة، ثقة مهزوزة، وشباب يفكر بالهجرة بدل التفكير بالمستقبل.
لكن الوصول إلى القاع له معنى آخر أيضًا.
عندما تبلغ الأمم أدنى نقطة، تسقط عنها أوهام كثيرة. لا يعود هناك ما نخسره من شعارات فارغة، ولا مكان لمزيد من التجارب الفاشلة. القاع هو المكان الوحيد الذي لا يمكن السقوط بعده. ومن هنا تبدأ لحظة الحقيقة.
لبنان اليوم ليس في مرحلة خسارة إضافية، بل في مرحلة اختبار إرادة. لأن الخسارة الحقيقية ليست في المال ولا في العملة ولا في المواقع… بل في فقدان روح الوطن.
لن ننهض بالانقسام.
لن ننهض بتغليب الطائفة على الدولة.
لن ننهض بتقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة.
النهوض يبدأ حين ندرك أن الوطن ليس مزرعة، ولا ساحة تصفية حسابات، ولا موسم وعود انتخابية. الوطن فكرة جامعة، ومسؤولية مشتركة.
إذا كنا قد وصلنا إلى القاع، فهذا يعني أن طريقنا الآن واحد: إلى الأعلى.
لكن الصعود لا يكون بالشعارات، بل في:
- إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة
- إطلاق ورشة إصلاح حقيقية في الإدارة والاقتصاد
- دعم الإنتاج بدل الاستيراد
- تمكين الشباب بدل دفعهم إلى المطارات
لكن أي خطة، مهما كانت محكمة، تبقى حبرًا على ورق إذا لم يحملها فريق كفوء ونزيه.
فالنهوض من القاع لا يصنعه فرد، ولا زعامة موسمية، بل فريق عمل يمتلك الكفاءة قبل الولاء، والخبرة قبل الخطابة، والنزاهة قبل الطموح الشخصي، والعمل بصمت قبل الظهور في الإعلام.
اختيار الفريق الصحيح ليس تفصيلاً إداريًا، بل هو حجر الأساس في معركة الصعود. لأن الأوطان لا تنهض بالشعارات، بل بالعقول القادرة على التخطيط، والقلوب الصادقة في التنفيذ، والأيادي التي تعمل بلا ضجيج.
المرحلة المقبلة لا تحتمل المجاملات، ولا المحاصصة، ولا توزيع الأدوار على أساس القرب والرضا والطائفة… بل على أساس الجدارة والمسؤولية.
والأهم من كل ذلك: إعادة الاعتبار لفكرة حب الوطن قبل حب المنصب
القاع ليس نهاية
القاع قرار
إما أن نبقى فيه متفرّقين
أو نصعد منه متكاتفين ولبنان، إن اجتمع أبناؤه، لا يُهزم.
بقلم نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية-الخليجية
