إكرام صعب
لم يكن ليل بيروت يشبه أي ليل في عاصمة أخرى. فمع حلول الظلام، تحوّلت شوارع العاصمة وطرقها الرئيسية والفرعية وأزقتها إلى مساحات مفتوحة أمام مجموعات من اللصوص وقطاع الطرق، جابت المكان على متن دراجات نارية، مستفيدة من غياب الدوريات الأمنية والرقابة، لتروّع المواطنين الآمنين وتعتدي عليهم بالسلاح الأبيض والأسلحة النارية.
مشاهد صادمة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث سرقة عابرة أو تجاوزات فردية. فبحسب ما جرى تداوله من شهادات ومقاطع مصوّرة، أقدمت مجموعات على اعتراض مواطنين وعاملين في خدمة التوصيل (Delivery)، وإشهار الأسلحة والسكاكين في وجوههم، والاعتداء عليهم وطعن بعضهم، قبل سلب محافظهم وهواتفهم وتركهم مضرجين بدمائهم على الطرقات.
إنها مشاهد تختصر حجم الانفلات الأمني الذي بات يهدد حياة اللبنانيين، ويطرح سؤالاً أكبر من كل حادثة سرقة أو اعتداء: أين الدولة؟ وأين الأجهزة الأمنية التي يفترض أن تكون حاضرة لحماية الناس، لا أن تكتفي بتسجيل الحوادث بعد وقوعها؟
ما حصل في بيروت لم يكن وليد المصادفة، ولا حادثاً معزولاً عن سلسلة اعتداءات وعمليات سلب تتكرر منذ أيام، بل تكاد تتحول إلى مشهد ليلي مألوف، من دون أن يقابلها تحرّك أمني واضح يتناسب مع خطورتها، أو انتشار للدوريات في المناطق التي شهدت هذه الاعتداءات، أقله لمنع تكرارها وحماية المارة والعاملين الذين يضطرون إلى التنقل ليلاً لتأمين لقمة عيشهم.
لقد ساهم غياب الرادع الأمني الليلي، إلى جانب عتمة بعض الشوارع وضعف الرقابة، في توفير بيئة مناسبة لانتشار هذه المجموعات، التي تتحرك بحرية لافتة، وكأن الطرقات باتت ملكاً لها، فيما المواطن متروك لمصيره، يواجه السلاح والسكين بيدين فارغتين.
ولطالما حذّرنا من الفوضى المرتبطة بالدراجات النارية، التي تحوّلت نهاراً إلى عبء على الطرقات ومصدراً لحوادث السير التي تودي بحياة الشباب، فيما بات بعضها ليلاً وسيلة لتنفيذ عمليات السلب والاعتداء والفرار بسرعة. والسؤال هنا ليس عن الدراجات النارية بحد ذاتها، بل عن غياب الرقابة الجدية، وعدم ضبط المخالفين، وترك الشوارع مفتوحة أمام من يستخدمونها لترويع الناس.
أكثر من مرة طُرح السؤال: أين المعنيون؟ ولماذا هذا التجاهل؟ ولمن تُترك زمام الأمور؟ ومن يحمي المواطنين إذا كانت الطرقات التي يسلكونها يومياً تتحول إلى مصائد للخطر؟
والأخطر من الاعتداءات نفسها، ما بدأ يظهر على صفحات التواصل الاجتماعي من دعوات إلى تشكيل مجموعات للأمن الذاتي وحماية الأحياء والشوارع. وهي دعوات تعكس حجم الخوف وفقدان الثقة بقدرة الدولة على القيام بأبسط واجباتها، لكنها في الوقت نفسه تنذر بانزلاق خطير نحو الفوضى، حيث يصبح كل شارع مسؤولاً عن أمنه، وكل مجموعة حارساً وقاضياً ومنفذاً للقانون.
هل هذا ما تريده الدولة المصون؟ أن يصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها بأن لا خيار أمامه سوى حماية نفسه بنفسه؟
أين أصبحت شعارات بيروت منزوعة السلاح؟ ولمن قُدّمت بيروت على طبق من الدم؟ وكيف يمكن الحديث عن حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما يعجز المواطن عن عبور شارع في عاصمته من دون أن يخشى أن تعترضه مجموعة مسلحة أو عصابة سلب؟
واللافت أن بيروت وشوارعها شهدت مراحل كانت فيها المؤسسات الأمنية أكثر حضوراً وفاعلية، حتى في فترات لم يكن فيها للبلاد رئيس للجمهورية، أو حين كانت الحكومات تعمل في مرحلة تصريف الأعمال، وكانت وزارة الداخلية والأجهزة المعنية قادرة على إبقاء الشارع تحت السيطرة، رغم كل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية.
أما اليوم، وفي ظل وجود مؤسسات دستورية ووزارات وأجهزة يفترض أنها تمسك بزمام المسؤولية، فما الذي يريد المسؤولون قوله للمواطنين؟ وهل بات الأمن تفصيلاً يمكن تأجيله، أم أن حماية الناس أصبحت مرتبطة بتوقيت سياسي أو حسابات لا يعرفها اللبنانيون؟
إن المطلوب ليس بيانات استنكار، ولا وعوداً بملاحقة الفاعلين بعد انتشار صور الضحايا، بل خطة أمنية واضحة تبدأ بانتشار الدوريات ليلاً، ولا سيما في الطرق الرئيسية والفرعية والنقاط التي تكررت فيها الاعتداءات، وتكثيف الحواجز المتنقلة، وضبط الدراجات النارية المخالفة، وملاحقة العصابات وتوقيف أفرادها، وإعلان نتائج التحقيقات ومحاسبة المتورطين.
فمن يضمن ألا تنتقل هذه العصابات من سلب المارة إلى اقتحام المنازل؟ ومن يضمن ألا يستيقظ اللبنانيون على جرائم أكثر خطورة بعدما أصبحوا يخشون العودة إلى منازلهم ليلاً؟
ماذا ينتظر اللبنانيون؟ وأي رسالة تريد الدولة إيصالها إليهم بصمتها؟ هل ستبقى العصابات تتحكم بالطرقات، فيما ينتظر المواطنون دورية قد لا تأتي؟
بيروت ليست مدينة سائبة، وشوارعها ليست مستباحة، وأمن أهلها ليس تفصيلاً في جدول أعمال المسؤولين.
الدولة التي لا تحمي مواطنيها في الشارع، ولا تضمن سلامتهم في طريق عودتهم إلى منازلهم، تترك أخطر سؤال مفتوحاً أمام الجميع: إذا لم تكن الدولة قادرة على حماية الناس، فمن سيتولى حمايتهم؟
[email protected]
شريط الأخبار
- بيروت في قبضة العصابات… من يحمي الناس حين تغيب الدولة عن الشوارع؟
- 60 فيلماً من 16 دولة في الدّورة الخامسة لمهرجان لبنان السّينمائي الدّولي في طرابلس
- لهذا السبب توقف مؤقت لخدمات «تاتش» مساء السبت 👇
- نتائج الفحوصات تُبرّئ “ريهامكو”… وإصابات “تريشينيلا” تقتصر على مطعم واحد
- الحريري في مؤتمر “ADIPEC 2026 “بأبو ظبي
- هاشمية ينفي احتجاز السفارة السعودية جواز سفره ويهدد “الأخبار” بالملاحقة القضائية
- رونالدو يعتزل دولياً
- سفارات الدول الخمس: “نشجّع على مسار قضائي سريع ومستقل في قضية ضهر البيدر”
